بقلم: د. محمد جمال حشمت
تأمَّلتُ في الأسس النفسية التي تنبني عليها علاقةُ الحكام العرب بدولة مثل إيران وتتبَّعتُ تأرجح العلاقات بين الصفاء والعداء واطَّلعت على بعض التقارير لخبراء الإستراتيجية المصرية بالتحديد تحت عنوان: (الحكمة والعلم) دراسة حالة- إيران "سياسيًّا, اقتصاديًّا, اجتماعيًّا وثقافيًّا, عسكريًّا" صادر في يناير 2004م، والحقيقة أو الخلاصة في هذا التقرير هو أنِّي وجدت هناك تقديرًا كاملاً لإيران كقوة إقليمية تربطنا بها كعرب ومسلمين روابط وعلاقات أكثر من المشاكل والخلافات، وكان الحوار هو أنجع الوسائل لتقريب وجهات النظر بين الطرفين؛ حفاظا على أمننا ومصالحنا القومية.
لكنَّ الحقائق على أرض الواقع تقول إن الأمن القومي العربي في فكْر الحكام العرب لا يتعدَّى أمنَهم الشخصيَّ واستقرارَ عروشهم وكراسيهم، وهو خلاف مثير بين إيران ومصر؛ نظرًا لاختلاف طريقة اتخاذ القرار بين مؤسسية تحمل رؤيةً إستراتيجيةً تخدم فكرةً ذات مرجعية دينية (اختلفنا أو اتفقنا معها) وبين أفراد نرجسيِّين لا يفكرون إلا فيما يخدم الاستقرار والشرعية الذي يعني بقاءهم وبقاء أبنائهم في الحكم بأي شكل وبأي صورة!!
وموقف الحكام العرب من إيران موقفٌ يحدَّد بوصلة التوجه الحقيقية؛ لذا فإن الأستاذ هيكل في حديثه لـ(الجزيرة) مرةً (أغسطس 2004م) قال: "أتعجَّب حتى هذه اللحظة من المقاطعة الكاملة لإيران.. لم يحضر شيمون بيريز إلى مصر، ولم يقابل مسئولين مصريين إلا وقضى نصفَ الوقت يحرِّض على إيران, وما يدعو للدهشة أن العالم العربي كان محبًّا لشاه إيران صديق الصهاينة، إلا أن العالم العربي كرِهَ جدًّا الثورة الإسلامية الإيرانية، وهي معاديةٌ للكيان الصهيوني"!!
واضحٌ هنا أن أي مصالح ومحدّدات انتماء تتحكَّم في هذه العلاقة، وقد أقر التقرير سالف الذكر بحجم العلاقة وأهميتها بين مصر وإيران بقوله "إيران ومصر دولتان لهما مقوماتٌ مشتركةٌ ويجمعهما تشابهٌ شديدٌ من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, فكلتا الدولتين تعتبر من القوى الإقليمية التي لها وزنٌ من ناحية عدد السكان والإمكانيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, وكلا البلدين من أصحاب الحضارات القديمة، كما أن لهما أهميةً خاصةً في التاريخ الإسلامي.
لقد ذاق كلاهما الإمبريالية الغربية وناضَلا من أجل الحصول على الاستقلال، ورغم كل ما تمثِّله إيران لمصر والعرب من أهميةٍ إستراتيجيةٍ نجد أن الموقف المصري من قطع العلاقات وعدم القدرة على إعادتها لا تبريرَ له، إلا أنه قدَّم المصالح الصهيونية والضغوط الأمريكية على الأمن القومي المصري الذي يرى بمنطق حكام آخر الزمان "أن إيران في الخليج تهدد مصر، بينما الكيان الصهيوني في فلسطين لا يهددها".
وقد اعترف لي يومًا ما نائبٌ مزوّر يتولَّى الشئون الخارجية في مجلس الشعب- ونحن داخل سفارة إيران عام 2002م في احتفال بالاستقلال- بأن مصر لن تستطيع إعادة العلاقات مع إيران دون موافقة أمريكا؛ لأن القطيعة تحقق مصلحةً أمريكيةً!! وسلِّم لي على الأمن القومي الذي لا يبارح مصالح أولئك الحكام؛ لذلك عندما هدَّد الإخوانُ والقوى المعارضة (في انتخابات تحت السيطرة) كراسيَ هؤلاء المدعومة من الصهاينة والأمريكان اعتبر النظامُ الشعبَ المصري- حتى لو بالديمقراطية- مهدِّدًا للأمن القومي الشخصي، آسف المصري!! فقُتل 14 مواطنًا وأصيب الآلاف وتم تلفيق تُهَم ما زال أصحابُها الأبرياءُ في سجون النظام المصري!!
لقد شغلت إيران الفراغات التي تركتْها السياسةُ الخارجيةُ المصريةُ والعربيةُ؛ لأن حساباتها تختلف، فهي صاحبةُ قضية عامة ورؤية واضحة في مقابل هوًى وضعفٍ يلفُّ القادةَ العربَ؛ لذا لم يستطع النظام المصري الاسترشادَ بما أقرَّه خبراء الإستراتيجية من ملامح مقترَحة للتحرك في اتجاه إيران والذي قدم لهم عام 2004م كي يحقِّق بناءَ أسس قوية لدور مصري إقليمي فعَّال في منطقة الشرق الأوسط يأخذ في اعتباره المتغيرات الجديدة في كل المستويات, واحتواء الأخطار الناجمة عن أي تهديدات أو تحالف أو محاور تؤثر على الأمن القومي المصري والعربي، ومن أهم هذه الملامح (كما أوصى الخبراء عام 2004م):
1- استغلال العلاقات الطيبة بين المملكة السعودية وسوريا وبين إيران لبناء الثقة، وعودة العلاقات العربية الإيرانية.
2- استثمار التوجه المعتدل للنظام الحاكم في إيران حاليًا لبناء المصالح المشتركة بين مصر وإيران، وتوضيح وجهة النظر المصرية في القضايا الخلافية بين البلدين!!
3- السعي لإقناع إيران بالدخول في مفاوضات مع دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الجُزُر المحتلة؛ وذلك للوصول إلى أفضل صيغة تحفظ حقوق الطرفين الإقليمية والسيادة على الأرض.
4- العمل من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي وقمة الثمانية الإسلامية على توحيد المفاهيم في القرارات السياسية التي تتعلق بأمن المنطقة.
5- إدارة الدبلوماسية العربية تجاه إيران بشكل يسمح لها بتفادي الصدام مع القوى الإقليمية والدولية.
6- التأكيد على الحفاظ على وحدة شعب العراق، ورفْض أي مشروعات لتقسيم أراضيه لما يشكِّله ذلك من خطر جسيم على إيران وكذلك على الدول العربية.
7- الرفض الكامل لسياسات المحاور والأحلاف بالمنطقة العربية أو منطقة الشرق الأوسط.
8- استغلال رغبة الاتحاد الأوروبي للعب دور إيجابي في منطقة الشرق الأوسط؛ من أجل الحفاظ على مصالحه, مع العمل على إحياء الدور الروسي لتأييد وجهات النظر العربية في المحافل الدولية.
9- وعي القيادة السياسية في إيران ومصر إلى دور كل منها في منطقة الشرق الأوسط، وعدم السماح للسياسة "الإسرائيلية" بالإيقاع بين الدولتين.. انتهى.
هذا التصور من قلب خبراء الإستراتيجية المصرية- وهناك في المحور الاقتصادي ما هو أروع- وقد تم تقديمه للقيادة السياسية، فما هي النتائج؟! أهمها أنه تأكَّدت لنا وطنيةُ وعظمةُ العقول المصرية التي تدرس الواقع بصدق وتقترح الحلول بمهارة في مقابل تنفيذ سيئ على أرض الواقع من متخِذي القرار لا اعتبارَ فيه إلا للأمن القومي الشخصي!! حتى صارت إيران اللاعب الرئيسي اليوم في المنطقة والذي يقف بقوة أمام الرغبات الصهيونية وضد الإرادة الأمريكية، بينما مصر تقف مع أعداء الأمة تدعمهم بالموقف السياسي والدعم البترولي والمادي على حساب الحقوق العربية الإسلامية، وعكس ما توصَّلت له التوصياتُ فقد سمح النظام المصري للصهاينة والأمريكان أن يوقِعا بين مصر وإيران!!
تذكرت هنا- ونحن بصدد استعراض دور الأجهزة الداعمة لاتخاذ القرار في مصر- أن مسئولاً أمنيًّا رقابيًّا كبيرًا التقيته في مكتب مسئول كبير- وسألته على حجم الفساد الذي أحدثه وزير التربية والتعليم الذي قضى أكثر من 18 عامًا يجرِّف في التعليم المصري، وكان النظام بصدد تشكيل وزاري قريب، فقال لي: في أكثر من تشكيل وزاري سابق طلب منا الرأي وكنا نرفض بالإجماع تولِّيه الوزارة ونرفع التقرير ثم نفَاجَأ كلَّ مرةٍ بتعيينه مرةً أخرى!! ودورنا ينتهي عند رفع التقرير!! نحن إذن بصدَد أسرة تتحكَّم في مصر برؤاها الخاصة، دون أي اعتبار لآراء أو احترام الأجهزة المعنية!!
وقد سردت مثالين أحدهما لشأن خارجي وآخر لشأن داخلي كي يرسخ في قناعة بعض المترددين أو المشكِّكين أن الترقيع في هذا النظام لا يجوز، وأن أمل التغيير والعودة لحضن مصر ومصالح أبنائها على يدِ هذا النظام لن يتحقق، ويبقى النداء لكل المخلصين الذين يبذلون الجهد بتفانٍ من أجل مصر ويجدون أن خلاصةَ أفكارهم ودراساتهم تذهب أدراجَ الرياح أمام مصالح شخصية جعلت من مصر أضحوكةَ العالم كله، وشعرنا جميعًا بالحرج من انتساب هذا النظام لمصر، فلم يستطع أحد خاصةً مَن في الغربة أن يدافع عنه!!
يبقى النداء للاستفادة من عقول مصر التي تبغي لها الرفعة والكرامة ودورها في المشاركة مع كل محبي مصر في وضْعِ تصور للخلاص من هذا الهوان دون إثارة فوضى لن تفيد إلا هذا النظام الذي لا يُجيد إلا ممارسة العنف ضد أبناء الشعب المصري؛ لأنه الشعب الوحيد الذي يمثل خطرًا على الأمن القومي الشخصي لحكام مصر المحبوسة.
فيا أبناء مصر.. الحكام من أمامكم والعدو من خلفكم، وليس هناك إلا أن تتَّحدوا، اتَّحدوا يرحمكم الله.