أصبح التركيز الأمريكي والصهيوني على القضاء على حزب الله شاهدًا على أن أمْنَ الكيان ولبنان يلتقيان عند العمل معًا على إنهاء وجود حزب الله،بعد أن اشتدَّ "خطرُه" واستعصى على الإبادة، وما دامت المشكلة اللبنانية- ومعها المشكلة الصهيونية- قد تم تلخيصها أمريكيًّا وابتسارها عند بعض التيارات اللبنانية والإعلام العربي الصهيوني في أنها نزعُ سلاح حزب الله فإن القضية بحاجة إلى إيضاح.

 

فقد عمل الكيان على تشويه صورة حزب الله وتدرَّج في ذلك منذ عام 1982، وقد يبدو العنوان مفاجئًا للقارئ؛ لأن الكيان فرضَ مجموعةً من المصطلحات في إدراك القارئ العربي؛ بحيث أصبح يألَف هذه المعاني،وتجاوَزَ بها مرحلةَ الرفض الداخلي؛ ولذلك قصدتُّ بهذا العنوان أن أعيدَ القارئَ العربيَّ إلى وعْيِهِ بعد هذا الجهد التخديري الذي سمعه من الصهاينة ومن الإعلام العربي، الذي يكرر هو الآخر ما تقوله وسائل الإعلام الصهيونية دون أن يتوقف ويصحِّح ويردَّ.

 

فقد ألِفَت الأُذُن العربية واستكانت العقولُ العربيةُ إلى عددٍ من المقولات التي آنَ الأوانُ لأن نضعَها في سياقها العربي الصحيح وليس في مرادها الصهيوني، ومن هذه المقولات ما طلَبَه الصهاينةُ وأكده الإعلام الدولي والأمريكي والصهيوني والمواقف السياسية للكتل الدولية المختلفة وقرارات مجلس الأمن حول حزب الله.

 

بدأت المقولة منذ نشأة الحزب عام 1982 بعد غزو بيروت بتكرار مقولة أن حزب الله أنشأته إيران أو التابع لإيران أو المدعوم من إيران،وهو وصفٌ كان يلحق حكمًا بحزب الله حتى ظنَّ المواطن العربي ما يظنُّه بإيران في هذه الفترة عندما صوِّرت تصويرًا سلبيًّا بغيضًا في الإعلام العربي المتأثِّر بالإعلام الأمريكي، في وقت كان العراق يحارب إيران بدعوى أنه يحرس البوابة الشرقية للوطن العربي ضد الفُرس،فأصبحت الصورة السلبية لإيران تُلحَق أيضًا بحزب الله،ولم يُقدَّم الحزبُ على أنه منظمةٌ للمقاومة ضد الكيان الصهيوني.

 

وفي عام 1996 وبعد حملة الدمار المتكررة في جنوب لبنان انعقد في شرم الشيخ مؤتمرٌ لمكافحة الإرهاب، حضره الرئيس الأمريكي بيل كلينتون،وكان المؤتمرُ يَقصد بالإرهاب حزب الله، وأعقب ذلك بأربع سنوات قيام الحزب بدَحْرِ القواتِ الصهيونيةِ في جنوب لبنان،فأصبح الحزبُ حركةَ تحريرٍ لبنانيةً وطنيةً، ولكنَّ مطاردتَه من جانب الصهاينة والولايات المتحدة على المستوى السياسي اشتدَّت؛ حيث وُضع الحزبُ على قائمة المنظمات الإرهابية.

 

وفي عام 2004 صدر القرار 1559 ليستهدف الحزبَ ويتحدث لأول مرة عن نزع سلاحه، في وقتٍ كان الحديث متواترًا في فلسطين أيضًا عن تجريم نشاط المنظمات الفلسطينية وتفكيك بنيتها ونزع سلاحها،وذلك بعد توحُّش الولايات المتحدة والكيان الصهيوني واحتلال العراق.

 

وهكذا أصبح الحديث عن نزع سلاح حزب الله حديثًا عاديًّا في لبنان وفي الإعلام الدولي،ولم يجد المواطن العربي غضاضةً في ذلك، خاصةً بعد ظهور تيار في لبنان يعتزُّ بالمقاومة،ولكنه يرى أن الشقَّ العسكريَّ من حزب الله يجب أن ينتهي ما دامت الأراضي اللبنانية قد تحرَّرت،ولم يكن ينظر بجدِّيَّة إلى أن مزارع شبعا لبنانيةٌ، بل اعتبر هذا التيارُ أن إعلانَ سوريا أن مزارعَ شبعا لبنانيةٌ وليست سوريةً قد تم في إطار مناورة سورية لتبرير احتفاظ حزب الله بسلاحه، وبالفعل فإن نزع سلاح حزب الله كان في مقدمة موضوعات مؤتمر الحوار الوطني اللبناني،كما أن الكيان الصهيوني عندما اعتدى على لبنان أكد أن تقاعس الحكومة والقُوى اللبنانية في الحوار عن تنفيذ ما ينظر إليه كل اللبنانيين الآن بسبب هذا المخدّر على أنه التزامٌ دوليٌّ بالشرعية الدولية ومصدرها القرار 1559،رغم أن التيارات في لبنان تتفاوت حول الاعتراف بشرعية هذا القرار وأهدافه.

 

وهكذا تتفق الأسباب اللبنانية والصهيونية جزئيًّا في نزع سلاح حزب الله؛ حيث يرى تيارُ المستقبل ومن معه أن المقاومة ليس لها مبررٌ، وبقاءُ السلاح في يد المقاومة غيرُ طبيعي،لأنه كلما استمرت المقاومة استمر ضعف الدولة، وقد حلم اللبنانيون بدولة قوية تحلُّ محلَّ الدولة الحالية التي تعاني لِيْنَ العظام منذ الصغر،أي أن استمرار سلاح المقاومة بلا مبرِّرٍ واضحٍ يُرهب الفِرَق الأخرى ويمنع تحقيقَ الحلم القومي في لبنان، بل يرى بعضُ هذا التيار أن هذا السلاحَ مخصَّصٌ لمحاربة الكيان الصهيوني الذي لم يعُد هو العدوَّ بعد أن كرَّست الولايات المتحدة والصهاينة عدوًّا أهمّ هو سوريا،وما دام حزب الله حليفًا لسوريا فإن تحجيمه هو تحجيمٌ للنفوذ السوري في لبنان.

 

كذلك ما دام حزب الله حليفًا أيضًا لإيران فإن تحجيم الحزب يؤدي إلى تقليص النفوذ الإيراني في لبنان؛ مما يتحقق معه الاستقلال وسيادة الدولة على شئونها وعلى أراضيها،وهذا مطلبٌ عريضٌ عامٌّ للعالم كله ومن ورائه الولايات المتحدة والصهاينة، الذين يقدمون أسبابًا إضافيةً، وهي أن حزب الله منظمةٌ إرهابيةٌ، وأن الكيان- في إطار الحملة الأمريكية الدولية لمكافحة الإرهاب- حاوَلَ القضاءَ عليها في عملياته العسكرية،لكنه لم يوفَّق،رغم أنه لن يملَّ من ذلك.

 

يضيف الصهاينة والولايات المتحدة وربما التيار اللبناني أن وجود حزبٍ سياسيٍّ مسلَّحٍ في دولةٍ مدنيةٍ أمرٌ غيرُ طبيعيٍّ، وسيطرةُ هذا الحزب عسكريًّا وسياسيًّا على الجنوب يجعله دولةً داخل الدولة.

 

والغريبُ أن كل هذه الأسباب التي يقدمها المطالِبون بنزع سلاح حزب الله قد أصبحت أشدَّ حدَّةً بعد حملة الدمار الأخيرة، رغم أن الكثيرين يتَّجهون إلى نتيجة معاكسة، وهي أن صمود حزب الله قد جعل سلاح الحزب هو المدافع عن استقلال لبنان، وأن مجرد الحديث عن نزع هذا السلاح يعني دعوة الصهاينة للهيمنة على لبنان.

 

والغريب أيضًا أن المطالِبين بنزع هذا السلاح اعتبروا أن هذا السلاح هو الخطر الأول، وأن نزعه له الأولوية المطلقة، بعبارة أخرى فإن الجبهة الأمريكية الصهيونية اللبنانية الساعية إلى نزع سلاح حزب الله ترى أن السلام في لبنان- والمنطقة كلها- مرهونٌ بنزع سلاح حزب الله.

 

وقد أغفل هذا الفريقُ الرابطةَ التاريخيةَ بين الكيان والحزب وسلاحه؛ حيث نشأ الحزبُ بمناسبة احتلال الكيان لبيروت، واستمرَّ الحزب كلما استمر الاحتلال لجنوب لبنان، وقد وافق تيارُ المستقبل في لبنان على ذلك،لكنه خلص إلى أن انتهاء الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان قد أنْهى مبرر وجود الحزب وسلاحه،وغفل هذا التيارُ عن إصرارِ الكيان على استباحة الأراضي اللبنانية، ومحاولة ضمِّ لبنان إلى دائرة الدول العربية التي تقيم سلامًا معه،ولا يزال الكيانُ- بعد استعداء لبنان على سوريا وفصم العلاقة بين البلدين- يقوم بمناورة للتقارب مع سوريا حتى تتخلَّى عن المقاومة اللبنانية والفلسطينية، فيسهل عليه بعد ذلك إخضاع سوريا وإقناعها بمزايا التقارب،رغم أن الكيان في هذه الحالة يضحِّي بتيار المستقبل الذي لا يزال يرهن مستقبلَه السياسيَّ بالعَداء لسوريا.

 

والحقُّ أن العدوانَ الصهيونيَّ على لبنان، وإعلانَ الكيانِ عزمَه على استئناف العدوان على أساس أن قرارَ مجلس الأمن 1701 لا يمنعه من ذلك، وإعلانه والولايات المتحدة عزمهما على تشكيل قوة دولية قوية لنزع سلاح حزب الله.. كل ذلك يعني إصرارهما على تفجير لبنان من الداخل بعد أن دمَّرتاه من الجوِّ والبحر.

 

وفي ضوء ذلك وحرصًا على لبنان وشعبه ووحدة قواه فإنني لا أمانع في نزع سلاح حزب الله والتركيز على أنشطته السياسية والاجتماعية والثقافية في لبنان كنموذجٍ ممتازٍ للحزب السياسي والمدرسة السياسية الوطنية المتكاملة،ولكنَّ المشكلة هي نزع سلاح الحزب دون وجودِ بديلٍ لحماية لبنان وعدم الوثوق في وعود واشنطن والصهاينة.

 

وما دام سلاح الحزب دفاعيًّا فقط وهو عادةً لا يبدأ بقتال وإنما كان دائمًا يردُّ على بربرية الصهاينة وانفلاتهم من كل قيد.. فإن نزعَ سلاحِه لا يحلُّ مشكلة الأمن والاستقرار والإعمار في لبنان ولا في الكيان الصهيوني بعد أن سيطَرَ على سكانه في الشمال كابوس حزب الله.

 

لكل ذلك فإن نزعَ سلاح الكيان الصهيوني هو الذي يحلُّ المشكلةَ من الجانبين، وهذا الاقتراح قد يبدو ساذجًا عند القارئ العربي من حيث إن الكيان يعتمد في وجوده نفسه على القوة لأنها ليست فقط دولةً محتلةً والقوة لازمة لقمع المحتلين المطالبين بالحرية، ولكن لأن الطابع العدواني جزءٌ أساسيٌّ في التركيبة النفسية لسكان هذا الكيان، ولأن زرعَه في أراضي الغير يُشعره دائمًا بأن هذا الغيرَ لا يطيقُ وجودَه وإنما يُكرَهُ عليه،والقوة هي أداة هذا الإكراه.

 

وقد يجادل القارئُ العربيُّ في هذا الاتجاه لأنه وُلد وتربَّى على أفكار تبحث دائمًا للكيان عن حلول لمشاكله التي يخلفها وجودها نفسه؛ مما يجعل مقترحاتِ الرئيس الإيراني منطقيةً وليست مفرطةً في السطحية كما ظن البعض.

 

أما القارئُ الصهيونيُّ فقد يرى في هذا الاقتراح دعوةً لرحيل الكيان، الذي يقول إنه محاطٌ ببحر من العداء، وإن القوة الاستثنائية مطلوبة لردع الأعداء،ونحن نذكِّره بأن تلك حجَّةٌ داحضةٌ؛ لأن سلوكَه البلطجيَّ والبربريَّ يجعل بحارَ العَداء ضد كل اليهود تحيط بهم في العالم كله وتهددهم جميعًا بمحرقة في مستوى ما يقومون به ضد العرب في فلسطين ولبنان والعراق ومن قبلهم في مصر، فهم مغرمون بإبادة العرق العربي الذي أصبح هو الآخر مُغرَمًا بإبادتهم والرهان على الزمن ضد مصلحتهم،وهم عنصرٌ طارئٌ على هذه المنطقة مهما استطال وجودهم لعقد آخر من الزمان وهو محلُّ شكٍّ كبير.

 

لقد رأى الكيان أن كلَّ قوته قد تهاوت أمام شعبٍ صغيرٍ لا يقاوم منه إلا بضعةُ آلاف،ولو قاوم كلَّه لكان في الأمر قولٌ آخر.