بقلم: مهندس خالد حفظي

كم كان عبقريًّا وفذًّا ذلكم المشهد الختامي لفيلم (شيء من الخوف), وكم أبدع فيه القائمون عليه تصويرًا وإخراجًا وتمثيلاً, وكم كان مهيبًا ورائعًا هذا الشيخ الجليل بلباسه الأزهري وهو يحمل جثةَ ولده على يده في مشهد بالغ الدلالة والرمزية في آنٍ يهتف والناس من خلفه يهتفون ثائرين في وجه الظلم والقهر والطغيان: باطل.. باطل.. باطل.. باطل!!

 

هذا المشهد يصوِّر بعبقرية فذَّة طبيعةَ هذا الشعب المثابر الصابر حين ينفذ صبرُه، ويضيق صدرُ أبنائه بالظلم والقهر, فلا تستطيع قوةٌ في الأرض مهما كان جبروتُها أن تُوقف طوفان غضبه, أو تخمد جذوة نار الثورة في صدور أبنائه الأحرار, مهما طال ليل القهر والبغي.

 

ولقد وجدتُّني وهذا المشهدُ لا يكاد يفارق عيناي في إلحاحٍ عجيبٍ، فلقد طال ليلُ الظلم, وساد الفقرُ والجوعُ والمرضُ, ولا يكاد الإنسانُ يفيق من هول صدمة حتى تفجعه أخرى, وما تلبث أن تنتهي أزمةٌ حتى تبدأ خيوطُ أزمة جديدة في التشكُّل, وهكذا تتوالى المصائب والكوارث تترا, حتى إن العقل أصبح عاجزًا لا يقدر على الفهم، فما يجري على أرض المحروسة يجعل الحليم حيرانًا.

 

وسط هذا الخضمّ الهائل والتلاحق العجيب لهذه الأمواج من الكوارث والمصائب أجدني- شأني في ذلك شأن كل مصري غيور- أسائل نفسي: إلى أين يسير بنا أهل الحكم في بلادنا؟! وأي مصير ينتظر أبناءنا وبناتنا؟ وماذا ينتظرنا عند الطرف الآخر من النفق المظلم الذي قادنا عباقرةُ الحزب الوطني إليه؟! الحال لا يخفى على أحد، فالسوء ظاهر للعيان، والخوف من المجهول صار سيد الموقف.

 

لقد ضرب الفساد أطنابَه في كل مناحي الحياة في مصر, بل أصبح هو الأصل، وصار استثناءً أن تجد بقعةً لا يعشِّش فيها الفساد، أو لا تنتشر فيها الرشوة ويغيب عنها القانون، ولقد أصبح المصريون غرباءَ في دارهم، وتقطَّعت الأوصال بين الوطن وأبنائه، ونجح هؤلاء العباقرةُ فيما أخفقت فيه جحافلُ الغزاة والمعتدين على مرِّ العصور, فقد قطعوا الرحم بين مصر وأبنائها، ولقد كان إيمان البحر درويش متفوقًا على نفسه وهو يشدو حزينًا.. يا بلدنا يا بلد.. هو من إمتى الولد.. بيخاف من أمه.. لما في الضلمة تضمه.. صدقيني.. خفت منك.. صدقيني.

 

ذات يوم كان عندنا ما نسميه انتماءً، وكنا نسمع عن شيء اسمه الوطنية وكانت هناك دولة ووطن، ثم أصبح هذا كله من قبيل الذكريات التي يتباكَى على أطلالها الرجعيون من أمثالي، كانت هذه الكلمات يومًا ما من قبيل المسلَّمات والبديهيات في حياتنا، ثم ها نحن في حاجة لإعادة تعريفها واكتشاف مدلولاتها من جديد.. ما الوطن؟ ومن هو المواطن؟ وما هي الدولة؟ وكيف تكون العلاقة بينها وبين المواطن؟ وما واجبات وحقوق كل منهما تجاه الطرف الآخر؟ وإذا ما أجابنا فقهاء القانون والدستور على هذا كله يبقى سؤالٌ، وأحسب أنه سؤال الساعة: هل نحن حقًّا مواطنون؟! وهل نحن حقًّا نعيش في دولة؟!

 

الإجابة على هذا السؤال قابعةٌ هناك في قاع البحر الأحمر مع أرواح الضحايا الأبرياء، مع شهداء عبَّارة الموت، مئات من الشباب والرجال والنساء والأطفال, قُتِلوا بغير ذنب جَنَوه إلا أنهم مصريون، نعم هذا كان ذنبهم!! لقد هربوا من جحيم البطالة والفقر بحثًا عن لقمة العيش, ثم عادوا لتتلقَّفهم الأمواج، لا أقول أمواج البحر، بل أمواج الفساد والإهمال والرشوة والمحسوبية، لقد قتلهم- مع سبق الإصرار والترصد- هؤلاء العباقرةُ الذين حوَّلوا مصر إلى (عزبة)!! يفعلون فيها مايشاؤون دون وازع من ضمير أو خوف من حساب.

 

الإجابة على هذا السؤال نجدها عند آلاف الأُسَر التي شُرِدت لتسريح عائلها المفصول من شركة باعتها الحكومة في هذه المهزلة الكبرى المسمَّاة ببيع شركات القطاع العام، وهي في الحقيقة مزاد (سري) لبيع مصر وخيراتها وثرواتها، وأنا هنا أطالب المسئولين عن هذا الملف أن يقدموا للشعب- وهو صاحب الحق الأصيل في هذا- كشْفَ حساب كامل لهذا الموضوع منذ بدأ التفكير في البيع حتى هذه اللحظة.. عليهم أن يجيبونا: من الذي باع؟ ومن الذي اشترى؟ ومن حدد الثمن؟ ماذا تم بيعه وماذا تبقى؟ ثم وبتعبير أبناء البلد الطيبين: فين الفلوس؟ لم تُسدَّد الديون، وما زالت جيوش العاطلين تملأ الشوارع, ولم نرَ أثرًا لتحسن في الاقتصاد القومي، بل كل المؤشرات تدل على عكس ذلك تمامًا.

 

وهكذا نجد أنفسنا وجهًا لوجه مع هذا السؤال: فين الفلوس؟ في حدود معلوماتي الضيقة- وأنا لست خبيرًا اقتصاديًّا- أن القيمة الدفترية للقطاع العام وقت فتح هذا الملف- أي منذ ما يقرب من عشرين عامًا أو يزيد- كانت تزيد عن الثلاثمائة مليار جنيه!! حيث كان الدولار في هذا الوقت مساويًا للجنيه أو يزيد عنه قليلاً، ومن أعجب ما سمعت في هذا المقام ما سمعته من وزير الاستثمار الحالي، حين سُئِل عن بعض القضايا المتعلقة بهذا الموضوع، فقد كانت إجابةُ سعادته أن هذا تم في عهد الوزير السابق ولا يُسأل هو- أي الوزير الحالي- عن ذلك!!

 

أجيبوني بالله عليكم: هل نحن حقًّا نعيش في دولة؟! الإجابة على هذا السؤال نجدها عند آلاف الأُسَر المكلومة في مأساة قضية شركات توظيف الأموال، هل يتصور عاقل أن كثيرًا من المودعين لم يستردوا أموالهم حتى الآن؟ إن ما قلناه في بيع القطاع العام نقوله هنا، بل لا أبالغ إذا قلت إنني على يقين بأنها قضيةٌ واحدةٌ، وأحسب أن ضرب هذه الشركات كان الفصل الأول في قصة بيع القطاع العام!! وأرجو من القارئ الكريم أن يعود بذاكرته إلى الوراء قليلاً ويسأل نفسه: هل كانت مصادفةً أن يكون الفاصل الزمني أسابيع قليلة بين ضرب هذه الشركات والبدء في الحديث عن بيع القطاع العام؟!

 

لقد كانت هذه الشركات تعمل علانيةً, وليل نهار تعلن عن أنشطتها في أجهزة الإعلام الحكومية ولسنوات طويلة، ثم في غمضة عين اكتشفت الحكومة أن هذه الشركات غير قانونية وتخرب الاقتصاد القومي!! إذن ماذا حدث؟! فجأة تنبهت الحكومة ورفعت شعار المحافظة على أموال المودعين, ولقد ظللت لسنوات عديدة لا أفهم هذا الشعار, فكل ما كانت تفعله الحكومة لا يؤدي إلى ذلك- في حدود فهمي القاصر- ولكني أدركت أخيرًا مقصد الحكومة، فلقد حافظت الحكومة على أموال المودعين بحمايتها من أن تصل إليها أيدي المودعين أنفسهم!! مرةً أخرى أجيبوني بالله عليكم: هل نحن حقًّا مواطنون؟ وهل نحن حقًّا نعيش في دولة؟!

 

ما ذكرته ليس إلا غيضًا من فيض، فالمقام لا يتسع لكثير من التفصيل، ومع ذلك نجد أهل الحكم في بلادنا لا يكفُّون عن الكذب على الناس وتزييف الحقائق وتسويق الوهم لهم، حتى إنني خِلْتُ يومًا أنهم يصدقون أنفسهم، فالحياة "لونها بمبي", والناس في عيش رغيد، والوظائف محجوزة من الآن لأحفادنا، والذي لا يجد رغيف الخبز ثم يشتكي الجوع غاوي نكد فأمامه البسكويت والجاتوه، وماذا تفعل له الحكومة إذا كان غاوي فقر؟!

 

إن العدل منتشر بين الناس، ولا يوجد فرق بين الحاكم والمحكوم إلا حرف الواو، والحرية ترفرف على الجميع, ولا وجود للمعتقلات إلا في أذهان المغرضين من أمثالي, أما الآلاف الذين نتحدث عنهم فقد ذهبوا إلى هناك بمحض إرادتهم للنزهة وتغيير الجو؛ لأنهم ملٌّوا رتابة العيش, ولو سألتم د. عصام العريان لقال لكم إن "الشاويش مبروك وحشُه ورايح يزوره يومين وراجع"!!

 

إن المتتبع لأحاديث هؤلاء لا يساوره شكٌّ في أنهم يتحدثون عن مصر أخرى غير التي نعرفها ونعيش فوق ترابها، ويعجب الإنسان أشدَّ العجب من قدرتهم الفائقة على تنميق الكلام وترديده دون كلل أو ملل، ولا أجد أبلغ من كلمات أحمد مطر في وصف هؤلاء حيث يقول:
وجوهكم أقنعة بالغة المرونة..

طلاؤها حصافة وقعرها رعونة..

صفق إبليس مندهشًا لها, وباعكم فنونه..

وقال: إني راحل.. ماعاد لي دور هنا

دوري أنا.. أنتم ستلعبونه

ولهؤلاء أقول: لا يغرنَّكم صبرُ الشعب عليكم، فمهما طال سواد الليل فإن الفجر لا بد آتٍ آتٍ، وها أنا ذا أرى في الأفق ذلك الشيخ الجليل وخلفه المخلصون من أبناء المحروسة يردِّدون: جواز الحزب الوطني من مصر باطل.. باطل.. باطل.. باطل.. باطل.