بقلم: د. محمد جمال حشمت

حرب الخداع والغباء.. تلك هي مقولة الكاتب الصهيوني زيف ماور (Zeev Maor)، وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعتي كاليفورنيا وتل أبيب، بل زاد في توصيف نتيجة هذه الحرب بقوله: "لو امتلكنا الشجاعة والقوة الذهنية للاعتراف بأخطائنا، فسيكون هذا أكبر نصر "لإسرائيل" في حربها مع حزب الله ومعاركنا الأخرى".

 

ويقول: "منذ بدأت الحرب وهناك العديد من الأصوات في الصحافة ووسائل الإعلام والمثقفين الذين يصفون ما يحدث على أنه حربُ البقاء واستمرارٌ لحرب الاستقلال، وربما هم على صواب في أنها حربٌ دفاعًا عن بقائنا".

 

ويضيف: ولكن حرب البقاء المزعومة ليست بين "إسرائيل" بترسانتها النووية وصواريخها وطائراتها ودباباتها و2500 مقاتل من حزب الله وعشرة آلاف صاروخ يمتلكها.

 

ويرى أن الحرب في لبنان هي حرب الغباء والعمَى السياسي، والفشل العسكري، وفقدان للعدالة والقيم الأخلاقية، هي حرب يتنافس فيها حزب الله معنا، وأضاف أن الولايات المتحدة بدرجة عالية من الغَباء حول مَن يصيب قدميه بالرصاص أكثر!!

 

أظنَّ أن نتيجةَ الحرب ومعالمها واضحةٌ من خلال كلمات الأستاذ الصهيوني، وهي أبلغ ما يمكن أن يقال "وشهد شاهد من أهلها" بدلاً من الغثاء الذي يردِّده بوش بغباء ينافس غباء حكومتنا في مصر!!

 

ولعل الحربَ الحقيقيةَ قد بدأت بعد وقفِ إطلاق النار كي تحصلَ دولة الكيان الصهيوني بالسياسة على ما فشلت في تحقيقه بالحرب، كما فعلت في كامب دايفيد؛ حيث حصلنا على سيناء منزوعة السلاح من الصهاينة، ودخلوا جميعًا مصر من أوسع أبوابها، وأبعدوا الجيش المصري رغم أنهم (حايموتوا) كي ينتشر الجيش اللبناني في الجنوب على حدودهم، بدلاً من مقاتلي المقاومة الإسلامية!!

 

وطبعًا السبب واضح في هذه التفرقة، لقد تأكَّد العالم أن الحكام العرب ماتوا وشبعوا موتًا، رغم حركتهم وعلوّ صوتهم، وأن الشعوب ما زالت حيَّةً تُناصر أبناء الأمة المقاومين في كل مكان، والخطورة هنا هي انتشار التعاطف وتحوُّله إلى ثقافة تؤمن بالمقاومة وتجد فيها البديل أو بالتحديد الخيار الوحيد أمامها؛ لتستردَّ هذه الأمة كرامتَها المستباحَةَ وشرفَها المهدَرَ على طاولات الحكام العرب، الذين هم بلا شك أكبر الخاسرين، بل هو للكثير منهم علامةٌ فاصلةٌ لسوء الخاتمة، رغم موتهم!!

 

وهذه الحرب أكدت أن الجيوشَ العربية منذ زمن طويل تتجه ناحية الشعوب لا ناحية الأعداء، وأصلاً مع الخيار الإستراتيجي ليس هناك أعداءٌ، وهذا معلومٌ طبعًا، لكنَّ الجديدَ أن أسلحةَ هذه الدول التي تنفق عليها المليارات هي بمثابة الأسلحة الفاسدة، والحديث هنا ليس لي ولكن للواء دكتور مهندس في القوات المسلحة المصرية سابقًا له مؤلفاتٌ عديدة، منها كتاب اسمه (الإسلام والغرب- المواجهة والحل) يكشف فيه خبايا وأسرارًا لم يكذبها أحد، حول الأسلحة الأمريكية التي تتسلَّح بها جيوشُ الشرق الأوسط، أحاول تلخيصَها على قدر ما أستطيع، مع التطور التكنولوجي الحديث أصبح اسم السلاح الفاسد لا يُطلق على السلاح الذي لا يعمل بصورةٍ طبيعيةٍ أو ينفجر عند استخدامه، بل صار يُطلَق على كل سلاح يعمل بصورة طبيعية ما لم تختلفْ سياسة المستخدم أو المستورد مع سياسة المورد القائم بتصنيع السلاح.

 

كما يبقى عمل السلاح تحت هيمنة المورد- دون علم المستخدم- بطرق خارجية إذا اختلفت سياسة المستخدم عن سياسته، أي سياسة المورد، بمعنى أنه يمكن إيقاف عمل الصواريخ وعمل الرادارات.. وإسقاط الطائرات.. إلخ عند الحاجة، دون إطلاق قذيفة واحدة عليها إذا استُخدمت هذه الأسلحة في أعمال ضد سياسة أو رغبة مورد السلاح.. (فهمتم اللي أنا فهمته، ده مصيبة إيه دي) ثم ذكر السيد اللواء الدكتور المهندس أربع طرق مختلفة لكيفية قيام الغرب وأمريكا بإبطال عمل الأسلحة التي يقوم بتوريدها إلى المنطقة العربية!!

 

الأولى: بزرع فيروسات كامنة أثناء التصنيع في الدوائر الإليكترونية التي تتحكَّم في عمل السلاح، يتم تنشيطها بإشاراتٍ لا سلكية عبر الأقمار الصناعية عندما يُراد إبطالُ عمل هذه الأسلحة، وهو ما يسبِّب مثلاً إسقاط الطائرات- عند قفل دوائر الوقود مثلاً- دون الحاجة لإطلاق قذيفة أو صاروخ!!

 

الثانية: بزرع برامج للحاسبات الإليكترونية التي تهيمن على عمل السلاح، فتقوم بتسجيل المعدلات التكرارية لعمل السلاح التي تختلف في حالة الحرب عنها في حالة السلم؛ مما يسبِّب توقف عمل السلاح دون الحاجة إلى إشارة من مصدر خارجي.

 

الثالثة: وضع إحداثيات معينة أو اتجاهات معينة في ذاكرة السلاح لا يمكن توجيه السلاح إليها.

 

الرابعة: التحكم أو وقف توريد قطع غيار السلاح، فينتهي كقطعةٍ من الحديد لا قيمةَ لها (هل علمتم لماذا انتصر حزب الله الذي لا يستعمل سلاحًا أمريكيًّا؟ ولماذا يرفض الحكام العرب مجرد التفكير في الحرب؟).

 

ثم يستكمل السيد اللواء الدكتور المهندس حديثَه الذي جاء على شكل سؤال وجواب بسؤال وجيه (طبعًا لنفسه): ولماذا إذن تقوم الأنظمة العربية باستيراد هذه الأسلحة الفاسدة وبمليارات الدولارات؟!

 

ويُجيب بمنتهى الصراحة:

أولاً: هي مبالغ مدفوعة كإتاوة للبلطجي الأمريكي في مقابل بقاء الأنظمة الحاكمة والحفاظ على مصالحها.

 

ثانيًا: هي وسيلة لتأمين ملك وأمن الأنظمة الحاكمة وليس لتأمين وأمن الشعوب؛ حيث تعمل بكفاءة في مواجهة الشعوب.

 

ثالثًا: هي وسيلة للإثراء غير المشروع المتمثل في عمولات صفقات السلاح!!

 

رابعًا: حتمية وجود هذه الصفقات لإيهام الشعوب العربية المغيَّبة بأن لديها جيشًا يمكنه الدفاع عنها، حتى لا يحرمها ذلك من الطمأنينة النفسية، وبهذا يمكن إبادتها بهدوء، وهي مغيَّبة عن هذه الحقائق، ثم يستعرض الخبير العسكري نماذج من صفقات السلاح في منطقة الشرق الأوسط التي تحقَّقت فيها هذه الشروط التي تجعل من الأسلحة التي تحوذها وتستعرضها كل عام- زمان- بندقية فرح العمدة بعد غياب كل وسائل التوجيه منها!!

 

أظن الآن أن ما قدمه الحكام العرب في حرب لبنان من مواقفَ مخزيةٍ له مبرِّرُه الواقعي؛ مما يُعفيهم من تهمة قِصَر النظر وحبّ البقاء، ويوقعهم في تهمة الخيانة العظمى لو صدق ما ذكره السيد اللواء الدكتور المهندس محمد الحسيني إسماعيل.. اللهم بلغت؟! اللهم فاشهد.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.