بقلم: مهندس خالد حفظي

 

 مهندس خالد حفظي

أحدثت جماعة الإخوان المسلمين في الآونة الأخيرة ما يمكن أن نُسميه هزةً سياسيةً كبيرة، أثَّرت وبشكلٍ واضحٍ على الحياةِ السياسيةِ في مصر والوطن العربي، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنَّ الصعودَ السياسي للإخوان بهذه الصورة قد أحدث انقلابًا في موازين القوى السياسية في كثيرٍ من المجتمعات العربية.

 

والراصد لتوابع هذه الهزة يجد أن من أهم توابعها- على المستوى الثقافي والفكري على الأقل- هو هذا الجدل الدائر بين كثير من النخب السياسية والفكرية حول هذه الجماعة ومنهجها، فقد أصبح من القليل النادر أن يكون هناك حديث أو منتدى ذو علاقة بالشأن العام، إلا ويكون الحديث عن الإخوان هو القاسم الأعظم بين المشاركين، سواء كان ذلك قبولاً أو رفضًا.. سلبًا أو إيجابًا، وفي تصوري أن هذا الجدل مطلوب بل ومحمود أيضًا، وبخاصة إذا خلصت النوايا، وتلاشت الأحكام المسبقة.

 

من أهم ما يُثار في تلك المنتديات هو تحفظ إخواننا الليبراليين على مبدأ مشاركة الإخوان في العملية السياسية انطلاقًا من أرضية إسلامية، تتمثل بشكلٍ واضحٍ في شعارهم المشهور (الإسلام هو الحل) ويرونه خلطًا بين الدين والسياسة ويرفضه أو يتحفظ عليه كثير من الليبراليين لسببين رئيسين تندرج تحتهما بعض الأسباب الفرعية:

السبب الأول: هو الربط الخاطئ بين الدين والسياسة، وذلك تنزيهًا للدين وبعدًا به عن ألاعيب السياسة ودهاليزها، وارتفاعًا به عن مستوى الشبهات التي تُحيط بأهل السياسة.

السبب الثاني: هو خطورة ما يدعو إليه الإخوان من إقامة دولة دينية، لا مكانَ فيها للعقل والإبداع البشري غير المحدود، والسلطان المطلق فيها يكون للنص الذي هو بمثابة سيف مسلط على رقاب العباد، يرفعه رجل الدين حيثما شاء ووقت ما أراد.

 

فيما يخص الربط الخاطئ بين الدين والسياسة، وهو الذي يعتبره إخواننا الليبراليون خطأ وقع الإخوان فيه، ومن ثَمَّ يدعونهم إلى الفصل بين الدين والسياسة لاستحالة الجمع بينهما عمليًّا، فإننا نجد أنفسنا أمام حاجة ماسة وضرورة ملحة لمراجعة وتحرير دقيقين لمفهوم الكلمتين، وإلا فهذه دعوة صريحة لإقصاء الدين عن الحياة وسجنه في المساجد حبيسًا لا علاقةَ له بها سيرًا على مبدأ (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله).. وما لهذا أرسل الله خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، ولو كان الأمر كذلك ما حاربه صناديد قريش، ولما وقفوا في وجهه وآذوه؛ ذلك أنهم فقهوا وعلموا أن الرسالة ليست كلمات تُردد أو طقوسًا في المساجد تؤدَّى، بل منهاج كامل للحياة ينتظم شئون حياتهم جميعًا صغيرها قبل كبيرها، وإلا فما كان أسهل عليهم من أن ينطقوا بهذه الكلمات، أو يؤدوا هذه الطقوس ليجنبوا أنفسهم عناء الحرب ومواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

 

وفي هذا المعنى نجد القرآن الكريم واضحًا كل الوضوح في تقرير طبيعة العلاقة بين الدين والحياة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام)، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء)، وهناك الكثير من الآيات التي تقرر أحكامًا تفصيلية تخص حياة الناس لا يكتمل (دين) المسلم إلا بتطبيقها.

 

وهنا نتساءل إذا كان الدين كذلك فما السياسة؟ أليست السياسة- ببساطة شديدة- حزمة من السلوكيات والقيم والأعراف والقوانين التي تضبط وتنظم علاقة البشر بعضهم ببعض؟ سواء كان ذلك على مستوى الأفراد والدول أو الشعوب والحكومات؟ وحين نقرأ في ك