بقلم: مهندس خالد حفظي

 

 مهندس خالد حفظي

في حياة الدول والشعوب لحظاتٌ فارقةٌ فاصلةٌ, تكون فيها المصائرُ على المحكّ, أو بتعبيرٍ أدقّ هي التي تكون فيها الدولُ والشعوبُ بين خيارَين: تكون أو لا تكون, هذه اللحظات تفرض منهجًا بعينه لا بديلَ له, وذلك إن أرادت هذه الدولُ والشعوبُ أن تكون, فلا بد من أن تكون في مستوى التحديات التي تواجهها, ولا بد مِن توجيه كل الطاقات والإمكانات لهدفٍ واحدٍ ألا وهو مواجهة التحدي، ولعلي لا أبالغ إذا ادَّعَيت أن من أعظم الأجهزة خطرًا في مثل هذه اللحظات هو جهاز الإعلام, إن لم يكن أخطرها على الإطلاق.

 

وأتصوَّر أن الأمة الآن بشقَّيْها العربي والإسلامي تعيش هذه اللحظة, فالأمة تعيش الآن معركةَ وجودٍ وكينونة لا مجالَ فيها للهزل والعبث, بل الجد كل الجد وذلك إن أردنا أن نكون.

 

منذ سنوات ومع بداية انتفاضة الأقصى كنت أتابع إحدى الفضائيات العربية ليلاً, وكانت تذيع حفلاً لمغنٍّ هو للنساء أقرب، فإذا بزوجتي تقف أمامي مشدوهةً وهي ترى الدموع تذرف من عيني, فقطعت عليها حيرتَها وقلت: ألا ترَين هذه الآلاف المؤلَّفة من الشباب والفتيات وهم يتساقطون تحت أرجل هذا الفاجر, ويملأون الدنيا صراخًا وعويلاً إذا صافحه هذا الفتى أو مست يداه يدَي تلك الفتاة؟! هؤلاء أين مكانهم؟! أليس في قاعات الدرس ومعامل البحث وورش التصنيع وساحة المعركة يذودون عن مقدساتهم؟!

 

تذكرت هذا الموقف منذ أيام, ومع بدء العدو الصهيوني لحرب الإبادة التي يشنُّها على إخواننا في لبنان ومن قبل ذلك في فلسطين جالَ في خاطري أن أتجوَّلَ في فضائياتنا العربية بشيء من التدقيق والتفحُّص لأنظر كيف يفعلون, فهذه القنوات هي (المطبخ) الذي يتم فيه ومن خلاله تشكيل العقل والفكر والوجدان للغالبية العظمى من أبنائنا وبناتنا, شئْنا ذلك أم أبيناه.
كان هدفي من الجولة أن أعرف كيف حال إعلامنا العربي في هذه اللحظة؟! كيف يتعاطى مع الحدث؟! أين فلسطين؟! أين لبنان؟! وأين العراق؟! وأصدق القارئ الكريم القول إنني لم أكن أدرك حجم الكارثة التي نحياها ويحياها معنا أبناؤنا وبناتنا في البيوت، ولعل صرختي هذه لا تكون صيحةً في وادٍ أو ذرةً في رمادٍ كما يقولون, ولعلها تلقَى آذانًا صاغيةً وقلوبًا واعيةً لدى المخلصين من أبناء هذه الأمة.

 

فلقد وجدتني حقًّا أمام جريمةٍ بشعةٍ بكل المقاييس, جريمة خيانة عظمى بكل أركانها ومقوماتها وملابساتها, فإذا كان إخواننا في فلسطين ولبنان يتعرَّضون لحربِ إبادة من العدو الصهيوني الغاشم فإن حربَهم هذه واضحةُ المعالم، لا لبسَ فيها ولا غموض, فالعدو ظاهرٌ معلوم, والهدف معلنٌ وواضحٌ, وساحةُ المعركة محددة، أما نحن فنتعرض كل يوم في بيوتنا لحرب إبادة ولكن من طرف خفي, الهدف المنشود فيها تدمير العقل والوعي العربي تدريجيًّا وببطء شديد، وهنا مكمن الخطر، ويتم ذلك من خلال منظومة شيطانية تعمل على تدجين المواطن العربي وترويضه على المدى البعيد والمتوسط, عبر مفاهيم وتصورات يتم تلقينها له تراكميًّا وبحسابات غاية في الدقة.

 

قد يرى البعض في هذا الطرح مبالغةً وتضخيمًا لا مبررَ لهما ولا دليلَ عليهما, وقد يرى آخرون أني أنظر إلى الحياة من خلال نظارة سوداء تصبغ بالسواد كل ما تراه, وأنا شخصيًّا أتمنى من كل قلبي أن أكون كذلك, ولكن الأماني والظنون لن تغيِّر من الواقع الأليم شيئًا، وأزيد هؤلاء وأولئك من الشعر بيتًا فأقول: أنا هنا لا أتحدث عن الفضائيات (الشيطانية) التي ليس لها أصل ولا فصل ولا مصدر لتمويلها معلومًا لدينا, فهذه (الفضائحيات) وما تعرضه من فجور وقبح لا يخفى شرُّها على أحد، ولكنَّ حديثي هنا عن القنوات المؤسساتية (إن صح التعبير), أي التابعة لمؤسسات معلومة محددة، سواء في ذلك الحكومي منها أو الذي يتبع القطاع الخاص.

 

لهؤلاء الذين يرون في حديثي مبالغةً وتضخيمًا أدعوهم لخَوض هذه التجربة,