بقلم: عادل زعرب*

دخل العدوان الصهيوني الهمجي على لبنان أسبوعَه الثاني، وهو أكثر ضراوةً وشدةً، ودخلت الحلبة السياسية الصهيونية مرحلة توتر شديد في أعقاب الحديث عن حَرب برية في جنوب لبنان، وبدا واضحًا من المعلومات المتسرِّبة في وسائل الإعلام الصهيونية أنه وبرغم التأييد السياسي الواسع الذي يحظَى به رئيسُ الحكومة إيهود أولمرت من الولايات المتحدة، فإنه يرفض توسيع العملية البرية ويصرّ على إدارة حرب محدودة.

 

الرغبة الأمريكية بالحرب أحرجت أولمرت الذي توارَى خجلاً أمام معاونيه، وهو لا يستطيع أن يرفض الأوامر الصهيونية بعد أن علم أن خسارته في الحرب مع حزب الله ستكون مهولةً وكبيرةً.

 

أولمرت يحاول أن يُمسك العصا من وسطها إرضاءً لأمريكا، وطمعًا في الدعم السنوي "لإسرائيل"، وهذا يتبيَّن من خلال توجيه سؤال من أحد المعلِّقين لأحد معاوني أولمرت عما إذا كانت وزيرةُ الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس تحمل مشروعًا لوقف النار؟! فرد قائلاً: "إذا تجرَّأ أولمرت على إبلاغ رايس بقراره وقف إطلاق النار لردَّت عليه بإبلاغه بقرار أمريكا وقف المساعدات السنوية لإسرائيل".

 

وبناءً على ما سبق يسعى أولمرت لإحداث توازن بين سعيِه لعدم التورط في حرب مفتوحة ومواجهة حقيقية، ورغبته في مساعدة الإدارة الأمريكية على تحقيق أهدافها في لبنان، ولهذا سَعَى إلى بلورةِ قرارِه بالحرب البريَّة المحدودة القائمة على خطة احتلال خط المواقع الأمامية فقط على طول الحدود وبعمقٍ يتراوح بين كيلو متر وكيلو متر ونصف.

 

المبدأ الصهيوني هنا واضحٌ، وهو إظهار انتصار وهمي على المقاومة اللبنانية وإدارة حرب شكلية ضحيتها فقط الأبرياء من النساء والأطفال، وإيهام العالم- بما فيه أمريكا- أنها حربٌ جادَّة لإبادة حزب الله، مع أن تل أبيب أقرَّ واعترف عددٌ من مقاتلي الوحدات المختارة "عالية التدريب في الجيش الصهيوني" بعجزهم عن مواجهة مقاتلي حزب الله اللبناني، الذين كانوا أفضل استعدادًا للمواجهة؛ حيث نقلت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الصهيونية عن أحد الجنود الصهاينة الذين شاركوا في القتال ضدَّ حزب الله في منطقة "أفيفيم" الأربعاء الماضي قوله: "دخلنا إلى المنطقة المعقَّدة وانبطحنا في كمينٍ، بانتظار خلايا إطلاق النار من "حزب الله"، ومع أول ضوء الفجر اكتشفنا بوابة حديدية أدَّتْ إلى مخبأ تحت الأرض بُنيَ بالإسمنت المسلَّح ضمَّ غرفًا ومخزنًا لوسائل قتالية".

 

وروى قادة مقاتلي وحدة "مجلان"- الذين خرجوا من منطقة مارون الراس؛ حيث سقط عددٌ من جنود الاحتلال- أنَّ "هذه المرة يدور الحديث عن منظمة استعدت جيدًا لهذه اللحظة.. تعرف كلّ نبتةٍ وكل حجر".

 

وهذا يدلل على فشل استخباراتي صهيوني لعدة مرات، مع استعدادهم المسبق لمثل هذه الحرب، خاصةً بعد تزايد التقارير التي تتحدث عن قدرة حزب الله الصاروخية؛ حيث ذكرت صحيفة (سان فرانسيسكو كرونيكل) الأمريكية منذ أيام أن الحرب التي تشنُّها "إسرائيل" برًّا وبحرًا وجوًّا على لبنان تم الإعداد لها منذ أكثر من عام، وذكرت أنه منذ إنهاء "إسرائيل" احتلالها للجنوب وهي تراقب بحذَر تعزيزَ حزب الله لوجوده العسكري في المنطقة؛ لذا فإن جيشها كان مستعدًّا للردِّ فورًا على العملية التي أَسَرت المقاومة خلالها جنديين.

 

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان الصهيونية جيرالد ستاينبرغ إنه من بين كل حروب "إسرائيل" منذ عام ,1948 فإن هذه الحرب هي التي استعدت لها "إسرائيل" أكبر استعداد، ويضيف إن التحضير بدأ عام 2000 مباشرةً بعد الانسحاب، عندما بدا واضحًا أن المجتمع الدولي لن يمنع حزب الله من تخزين الصواريخ ومهاجمة "إسرائيل"، وذكرت الصحيفة أنه منذ أكثر من عام بدأ مسئول عسكري رفيع المستوى تقديم الشروح لدبلوماسيين أمريكيين وغربيين وصحفيين ومراكز أبحاث، من أجل حَبْك تفاصيل الحملة.

 

الحرب القذرة- سواءٌ صهيونيةٌ أو أمريكيةٌ- تأتي من عدوٍّ، ولا نستطيع هنا أن نَفهم مبرراتِ بعض الدول العربية التي تدعم هذه الحرب ضد أشقائها، فلقد نقل في واشنطن عن مسئول أمريكي قوله إن الإدارة الأمريكية طلبت من الدول العربية أن تصمد في وجه شعوبها والتمسك بمواقفها الرافضة لحزب الله، والداعية لمحاصرته وتفكيكه وتجريده من السلاح.

 

وقال المسئول الأمريكي- الذي رفض الكشف عن نفسه- إن واشنطن وعَدَت الدول العربية بحلِّ الصراع في المنطقة وجلب الأمن والاستقرار وبدء عملية تطبيع شاملة بين هذه الدول و"إسرائيل".

 

وكشف المسئول الأمريكي عن أن هناك اتصالاتٍ بين "إسرائيل" وغالبية الدول العربية، وأن مسئولين أمنيين "إسرائيليين" ينتقلون منذ أيام بين الدول العربية، وأضافت المصادر أن الولايات المتحدة ستُرسل قواتٍ من المارينز إلى لبنان.

 

ومن الدلائل على الاستعداد لهذه الحرب نقلَت مصادرُ مطلعةٌ عن مقرَّبين من إيهود أولمرت قوله إن هناك حربًا "إسرائيليةً" عربيةً أمريكيةً ودوليةً ضد حزب الله، وبالتالي هذه الحرب سوف تستمر حتى تحقق أهدافها كاملةً.

 

وقالت المصادر الصحفية إن المستشار السياسي لرئيس الوزراء الصهيوني أكَّد في اجتماعٍ ضيِّق أنَّ بعضَ القادة العرب معنيون باستمرار الحرب ضد حزب الله، وعندما سئل عن ردود غاضبة محتملة للشعوب العربية أجاب بأن الأنظمة خبيرة في لجْم شعوبها وإسكاتها، مضيفًا أن ردودًا شعبيةً عربيةً ليست في حسبان القيادة "الإسرائيلية".

 

وأوضحت أن عواصم التأثير تدرك أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" ودولاً عربيةً متفقةٌ ومعنيةٌ باستمرار الحرب وبشكل واسع على لبنان ضد حزب الله، وضد حركة حماس والجهاد الإسلامي، وأن خطة تصفية المقاومة في لبنان وفلسطين وُضعت منذ زمن بعيد، وجاءت عملياتُ اختطاف الجنود لتسرع في تنفيذ الخطة العسكرية، غير أن ردّ حزب الله أوقع واضعي الخطة في المصيدة، ولذلك صدرت الأوامر للقوات "الإسرائيلية" بتوسيع وتعميق حرب الإبادة في لبنان.

 

وأضافت المصادر أن التحركات السياسية الحالية لوقف إطلاق النار ليست جادَّةً، وهدفها التغطية على المواقف الحقيقية للقيادتَين الأمريكية و"الإسرائيلية" وبعض القيادات العربية، وزعماء لبنانيين متحالفين مع أمريكا، وأن الحرب لن تتوقف في مدى قريب منظور.

 

كما أن الخطة الجديدة حبيسة الأدراج لا تخفى على أحد، ويراد بتمريرها القضاء على حزب الله والمقاومة، وهي تنص على أن الإدارة الأمريكية وفرنسا ودولاً عربية اتفقت فيما بينها على تمرير خطة تمَّت دراستها بعناية وتشكِّل حصارًا لحزب الله، ويجري تطبيقُها باتفاق "إسرائيل" والحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة، وقالت المصادر إن هذه الأطراف تحاول استغلالَ انشغال حزب الله بالمواجهة مع العدوان المستمرّ والوصول إلى اتفاق بين بيروت وتل أبيب بدعم عربي أمريكي أوروبي وتحت مظلة مجلس الأمن الدولي.

 

أيًّا ما كانت الحرب فإن خطة تصفية المقاومة في لبنان وفلسطين عصيَّةٌ على كل المتآمرين من أمريكان وصهاينة وعرب وعملاء؛ لأن الله ناصر جنده؛ حيث قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِيْ﴾ (المجادلة: من الآية 21)، ونحن على ثقة في نصر الله.

--------

* صحفي وكاتب فلسطيني