شنَّ الكيان الصهيوني منذ يوم 12/7/2006م حملته العسكرية ضد لبنان تحت اسم (الثمن الباهظ) مع استمرار حملته على غزة التي بدأت يوم 27/6/2006م، فيما يبدو أنها تهدف إلى القضاء على المقاومة العربية في لبنان وفلسطين باسم الشرعية الدولية، فتقضي على حزب الله انسجامًا مع الخط الدولي في قرار مجلس الأمن 1559، كما تقضي على المقاومة الفلسطينية بعد أن عجز أبو مازن في ذلك؛ تنفيذًا "للشرعية الدولية".
وقد لوحظ أن الكيان الصهيوني يقوم بحملته العسكرية ضد حزب الله في لبنان والمقاومة الفلسطينية بعد أن أقنعَ العالمَ بوضع حزب الله والمقاومة الفلسطينية على قائمة المنظمات الإرهابية والمطلوب القضاء عليها بموجب وثائق الشرعية الدولية السابق الإشارة إليها، وهي: القرار 1559 بالنسبة لحزب الله، وخريطة الطريق الدولية، وبذلك صوَّر الكيان حملتَه على حزب الله والمقاومة الفلسطينية على أنها دفاعٌ شرعيٌّ ضد الإرهاب، ودعا المجتمع الدولي إلى مساندته للقضاء على (الإرهاب اللبناني والفلسطيني)، وأكدت الولايات المتحدة ذلك قولاً وفعلاً، حيث أحبطت يوم 13/7/2006 مشروعَ القرار العربي المعتدل للغاية، والذي يطالب بوقفِ الهجوم على غزة.
فلا شك أن الحملة العسكرية على غزة ولبنان تهدف إلى تحقيق عددٍ من الأهداف أهمها فرض الهيمنة الصهيونية في المنطقة واختبار ردِّ الفعل العربي، فقد اطمأنت تل أبيب إلى أن واشنطن تدعم حقها في (الدفاع الشرعي) ضد "الإرهاب العربي"، كما اطمأنت إلى أن العالم العربي قد استسلم تمامًا، فأصبح الكيان يتصرَّف بحرية كاملة في استخدام قوته الفائقة وضع قواعد التعامل في هذه المنطقة، وهي مصلحةٌ مشتركةٌ بينه وبين أمريكا، ولا يمكن الفصل بين الاختبارات المتتابعة لردود الفعل المصرية والسلوك المصري في مناسبات مختلفة بما في ذلك قتل جنود مصريين يقومون بواجبهم في الأراضي المصرية، مقارنًا بنقد مصر لحزب الله واتهامه بإثارة الصهاينة، واستوثقت بأن مصر مجرد وسيط ولم تعد طرفًا في قضايا المنطقة التي تعالجها تل أبيب بالقوة، حتى أسعدها أن تسمع مصر والمغرب مثلاً أنهما تشعران بالقلق لما يجري من تصعيدٍ عسكريٍّ وقيام الكيان باستخدام القوة بشكل مفرط وغير مبرر.
والواضح أنَّ الكيان قرَّر في ضوء هذه الظروف العربية والدولية المناسبة تمامًا لها أن يقوم بنفسه بالقضاء على حزب الله والمقاومة الفلسطينية، بعد أن حاول أن يقوم غيره بِنَزَعِ سلاح حزب الله والمقاومة الفلسطينية.
ففي فلسطين حدَّد الكيان بالاشتراك مع الولايات المتحدة لرئيس السلطة الفلسطينية مهمة نزع سلاح الفصائل وتفكيك أجهزتها خاصة بعد تولي حماس الحكم، ولا شك أن الحملةَ الصهيونية في غزة قد اعتمدت على أن سياستَها الرئيسة الإستراتيجية هي القضاء على المقاومة، وإنزال أكبر قدر من الضرر بالشعب الفلسطيني حتى يكفر بالمقاومة، وحتى يقارن بين ما أصابه بسببها، وما يمكن أن يصيبَه من رخاءٍ إن تخلَّصَ منها، وهو نفس المنطق الذي تطبقه في لبنان، وشدَّدت خريطة الطريق على نقطةٍ واحدةٍ، وهي ضرب المقاومة (كعربون) لأي لقاءات مع الجانب الصهيوني.
واعتمدت حسابات الحملة الصهيونية في غزة أيضًا على أن إسقاط حماس والقضاء على المقاومة الإسلامية هو تسهيل لفتح في تنافسها مع حماس، مما يفتح الطريق إلى عودة فتح إلى السلطة بعد أن أبعدتها نتائج الانتخابات الفلسطينية.. اعتمد الكيان كذلك كما قلت على عدم الممانعة العربية حتى تعودَ المنطقة مرةً أخرى إلى مرحلة ما قبل حماس، خاصةً وأن الاتجاه العام في العالم العربي لم يختلف عن الموقف الدولي العام المبني على الموقف الصهيوني من حماس، وضرورة امتثالها للشروط الصهيونية التي بلغت عند رئيس السلطة مرتبةَ الشرعية الدولية.
في ضوء ذلك شدَّد الخط السياسي والإعلامي الصهيوني خلال الحملة العسكرية على أن تل أبيب لا تتحدَّى التفاهماتِ الإقليميةَ في القضيةِ الفلسطينيةِ، بل تعيدها لضرب المقاومة وتجنيب أبو مازن الحرج، خاصةً وأن أولمرت فَقَدَ ثقتَه في قدرته على أن يكون شريكًا بسبب ضعفه وعجزه- فيما يقول أولمرت- عن ضرب المقاومة، لولا أن بوش متمسكٌ بأن ضرب حماس يتطلب تقوية أبو مازن، خاصةً وأن أبو مازن يعلن دائمًا أنه ضد الانتفاضة المسلَّحة، وأنه يفضِّل الاحتجاجاتِ السلمية، ويلاحظ أن تدعيمَ أبو مازن والحكومة اللبنانية ضد حماس وحزب الله على التوالي هو نفس الخط العربي الرسمي.
وإذا كانت المقاومة الفلسطينية هي أحد الحلفاء الأربعة المعادين للكيان والولايات المتحدة، فإن تركيز تل أبيب على حزب الله هو جزءٌ من المناهضة الأمريكية لإيران وسوريا والمقاومة في فلسطين ولبنان والارتباط بينهم جميعًا في نظر الولايات المتحدة من خلال إيران، أما حزب الله فإن تصدِّي الصهاينة له بشكل جذري يستند إلى خلفياتٍ عديدةٍ، أهمها أن الحزبَ هو الطرف الذي نشأ خصيصًا لمقاومتِهم، ثم أصبح جزءًا من النسيج السياسي للبنان، وهو الطرف الوحيد الذي أذلَّ الصهاينةَ وألزمَهم بقواعد "لعبة تبادل الأسرى"، والكف عن العدوان خوفًا من رد حزب الله على الأهداف داخل الكيان.
ولا خلاف على أن طرد الحزب لقوات الاحتلال من جنوب لبنان في مايو 2000 أضاف سببًا حاسمًا لكي تبيت تل أبيب النية للتخلص من هذا العدو، فعمدت إلى أن تستصدرَ واشنطن قرار مجلس الأمن 1559 لتضرب به في وقت واحد سوريا وحزب الله والفلسطينيين في لبنان، ولذلك وضعت واشنطن هذا القرار في درجةٍ عاليةٍ من القدسية والاحترام، وهو القرار الوحيد الذي عيَّن له الأمين العام للأمم المتحدة ممثلاً خاصًّا له لهذا القرار بالذات كي يقدِّمَ له التفسيرَ ويشرف على التنفيذ، فأثمر القرار الانسحاب العسكري السوري العاجل من لبنان بعد مقتل الحريري، حيث كان هذا الاغتيال هو وقود تنفيذ هذا القرار، ثم تطورت عملية تنفيذ هذا القرار ووقفت عند التركيز على نزع سلاح حزب الله خاصةً بعد انقسام المجتمع اللبناني حول الموقف من سوريا، فظلت واشنطن تضغط على سوريا وعلى أصدقائها في لبنان حتى وصل الرفقاء إلى حافة الهاوية والحرب الأهلية، ولكن ظل سلاح حزب الله محل إجماع الحد الأدنى وإن قبل الحزب أن يكونَ على جدول أعمال مؤتمر الحوار الوطني.
ويبدو أن تل أبيب قرَّرت أن تريح الحكومة من حرج التصدي للحزب وأن تقوم بنفسها بنزع سلاحه، وبديهي أنها مهَّدت لذلك بعددٍ من الإجراءات أهمها التأكيد على علاقة الحزب بالمقاومة الفلسطينية (الإرهابية) وبسوريا التي يعاديها شطر من الشعب اللبناني، وأن سوريا تستخدم الحزب في السياسات اللبنانية، مما أحدث صداماتٍ وتحالفاتٍ بين الحزب والقوى السياسية الأخرى في لبنان.
ركز الصهاينة أيضًا في خطهم في لبنان على أن الحزبَ مرتبطٌ بإيران، مما يجر لبنانَ إلى سياسةٍ إقليميةٍ خطرةٍ ضدَّ إيران وفي فلسطين وضد سوريا، خاصةً وأن واشنطن صوَّرت مناهضتها لسوريا على أنها تطويع لسوريا حتى تطبعَ علاقاتها مع لبنان وترسم حدودها معها، وأن هذه الجهود الأمريكية تصب في رصيد تيار المستقبل المناوئ لسوريا، وقد أفصح المحللون في الكيان الصهيوني صراحةً عن أن تركيز الحملة العسكرية ضد لبنان والتأكيد على إنها ردٌّ على اعتداء لبنان الدولة ذات السيادة على "إسرائيل" قائمٌ على افتراض أن حزب الله جزءٌ من البرلمان والحكومة وتفادت أن تكون الحملة موجهةً إلى حزب الله حتى لا تعودَ إلى التفاهمات السابقة مع الحزب، ولذلك فإن توجيه الحملة إلى كل لبنان يهدف إلى معاقبة الشعب كله؛ لأنه ترك مصيره في يد حزب ولم يأخذ على يديه حتى يفهم حدود حركته وحتى يضغط على الحزب وتكون تل أبيب بذلك مساندةً لحقِّ الحكومة في بسط كامل سلطتها على كامل الأراضي وتحرير إرادتها من الحزب وارتباطاته الإقليمية.
وبالفعل فإن بياناتِ الحكومة اللبنانية منذ بدء الأزمة يتمشى مع الطرح الصهيوني، فقد أكدت هذه البيانات ألا علمَ لها بما حَدَثَ في الجنوب يوم 12/7/2006 ولا تتبنَّى شيئًا، ولا تتحمَّل المسئولية، فردت إسرائيل بأنها هي المسئولة وأن مهاجمة كل لبنان عقوبة لها على تقصيرها في تقليم أظافر الحزب. كذلك أكد رموز الرابع عشر من مارس أنه من الظلم أن يتصرف الحزب على هواه ويحمل لبنان كله تبعة قراراته. هكذا يبدو أن الهجوم على لبنان يهدف أيضًا إلى تغيير المعادلة داخله إذ قدمت نفسها على أنها دعم للطرف الآخر المعادي لسوريا وحزب الله؛ ولذلك حرصت واشنطن على تحميل سوريا وإيران المسئولية أيضًا حتى تحقق الحملة الصهيونية القضاء على التحالف المعادي للحريري ورفاقه، ولا شك أن توثيق الروابط اللبنانية ضد العدوان الصهيوني ومواقف الأطراف المختلفة منه سيكون معيارًا حاسمًا في تحديد الاتجاه الوطني لديهم جميعًا خاصةً وأن القوى 14 الأخرى اتهمت بأنها تعمل وفق أجندة أمريكية صهيونية.
أما حسابات القادة الصهاينة بالنسبة لسوريا وإيران، فلا شك أنها تقدر أن إيران لن تتمكَّنَ من التدخُّل لصالح حزب الله، وعدم توحد اللبنانيين سيؤدي إلى انكشاف الحزب، وإن التدخل الدولي سيغيِّر نطاق الصراع وأطرافه، ولكنَّ الأسئلةَ التي سوف تبحث عن إجاباتٍ عاجلةٍ هي: هل يستطيع الكيان الصهيوني فعلاً في ظل الحياد العربي أن يقضيَ على المقاومةِ الفلسطينيةِ واللبنانية؟ وما مصير حلفائهما في إيران وسوريا؟ وهل الحياد العربي سببه اتجاه معظم الحسابات العربية صوب حسابات تل أبيب؟. وهل الحملة الصهيونية تهدف أيضًا إلى اختبار ردِّ إيران خاصةً وأن القضاء على حزب الله سيكون ضربةً قاضيةً للدبلوماسية الإيرانية في المنطقة؟ تلك أسئلة شائكة كلها ملحة ومن المثير متابعة تطور الأحداث بشأنها.