بقلم: د. رفيق حبيب
تتعرَّض المنطقة العربية، والمنطقة الإسلامية عامة، لحالةٍ خاصة في تاريخها، وتبدو تلك الحالة أقرب إلى مرحلة إعادة التشكيل، وكأنها مرحلة انتقالية قد تفصل ما قبلها عن ما بعدها، وربما تكون تلك الصورة نتاجًا للعديد من المتغيرات التي تتفاعل على الساحة السياسية، وكذلك على الساحة الثقافية، وربما في المستوى الحضاري عامة؛ فهناك تغييرات تحدث على أرض الواقع، تؤثر على مستقبل المنطقة، ومعظم تلك المتغيرات في حالة تفاعل، وربما تكون في حالة صراع.
ففي الوقتِ الذي تظهر فيه بوضوح حالة العودة للهوية لدى جمهور الأمة، والتي تتمثل في الرغبة في الحفاظ على الخصوصية الحضارية والتمسك بالهوية والمرجعية الدينية، نجد في المقابل أن المنطقة تشتعل بالحروب والصراعات والمواجهات، على مختلف الأصعدة. وربما يكون المشهد هو نتاج وعي الأمة المتزايد بهويتها، بل نقول إنه بالفعل نتاج هذا الوعي المتزايد، والذي يربط هوية الأمة باستقلالها ورغبتها في الحفاظ على ثوابتها الحضارية والدينية والوطنية، ونعتقد أن هذا الوعي بدأ في النمو منذ الربع الأخير من القرن العشرين، وما زال ينمو بوضوح لدى معظم الجماهير العربية والإسلامية.
وهناك العديد من الملامح التي تؤكد تزايد الشعور بالهوية الحضارية والدينية، والتي تتمثل في الرغبة في تطبيق نظام القيم الخاص بحضارتنا في حياتنا العامة والخاصة. وهذا الوعي يتركز في تأكيد القيم العليا المميزة لنا، في مواجهة القيم الغربية، ولم تعد لدى الجماهير مشكلة مع التطور العلمي، أو متغيرات العصر وتطوراته، ولكن من الواضح ارتفاع وعي الناس عامةً بالمساحة الفاصلة والمميزة لقيمنا عن قيم الآخرين، مما يؤكد الوعي بالاختلاف الحضاري بيننا وبين الحضارة الغربية على وجه الخصوص.
تلك الحالة جعلت الجماهير تأخذ اتجاهًا واضحًا في قضايا التحرر الوطني والحضاري، وأصبح لها خياراتها في القضايا التي تخصُّ العراق وفلسطين وأفغانستان، وغيرها، وفي كل تلك القضايا نجد الجماهير تتحمس لحركات التحرر والمقاومة، وتظهر لديها رغبة واضحة في مواجهة كل عدوان خارجي، ورغم التباين في المواقف والآراء حول العمليات العسكرية في العراق مثلاً، ورغم رفض الجماهير لعمليات العنف التي تصيب العراقيين الأبرياء، إلا أن تلك الحوادث لا تؤدي إلى رفض المقاومة ككل، بل إلى التمييز بين المقاومة وأعمال العنف التي لا تواجه الاحتلال.
بالطبع يمكن أن نلمح ظهور الاتجاه الطائفي لدى بعض الفرق، خاصةً في العراق مثلاً، ولكن هذا الاتجاه مع تأكيده على الهوية الخاصة الحضارية والدينية، يمثل أحد سلبيات التأكيد على الهوية، عندما تركز على الهوية الفرعية دون الهوية الجامعة، ولكن مجمل المشهد في النهاية يؤكد على العودة للجذور الحضارية، والاحتكام للدين، ورفض كل عدوان خارجي، وكل محاولات الهيمنة الخارجية.
وأمام هذا المشهد، نجد أكثر من قوى أصبحت مهددة بسبب هذا الوعي الحضاري والديني لدى الأمة، ومن هذه القوى الأنظمة الحاكمة والنخب المسيطرة على المجال السياسي، بل والنخب المسيطرة على المجال الثقافي أيضًا، ومنها أيضًا القوى الغربية التي تريد الهيمنة على المنطقة وفرض حضارتها عليها، خاصةً الإدارة الأمريكية، ومعها الاتحاد الأوروبي، ومعهم بالطبع الكيان الصهيوني والذي يُمثل شرطي الهيمنة الغربية على المنطقة العربية والإسلامية.
لهذا تشتعل المنطقة بالصراعاتِ والتوترات، بسبب محاولة فرض الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، في مواجهة حالة العودة للوعي الحضاري والديني لدى جمهور الأمة، والغالب على المشهد الراهن هو التحالف بين الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية؛ فالقوى الغربية لا تجد إلا الاستبداد سندًا لها، ولهذا تؤيده رغم رفضها المعلن للاستبداد، ومطالبتها بتطبيق الديمقراطية، ولأن القوى الغربية لا تجد قوى ليبرالية مؤيدة لها، يمكن أن تحل من خلال الانتخابات مكان الأنظمة الحاكمة الحالية، لهذا تفضل تأييد الاستبداد وتأجيل أو إلغاء أي إصلاح ديمقراطي؛ خوفًا من وصول قوى التحرر الحضاري والديني للسلطة، ممثلة في التيار الإسلامي.
والمشهد بين مصر والأردن وفلسطين، يمثل حلقةً مهمةً في المواجهة بين الهيمنة والاستبداد من جانب، وقوى التحرر الحضاري من الجانب الآخر، وقد تجمعت العديد من الظروف، لتجعل هذا المحور يشهد الحلقات الأشد سخونةً في الحرب بين الهيمنة والاستبداد، وبين التحرر الحضاري، ففوز جماعة الإخوان المسلمين في مصر في الانتخابات التشريعية بخُمْسِ المقاعد، مع تزايد احتمالات قدرتها على تحقيق الأغلبية في انتخابات قادمة، وفوز حركة حماس بالأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني، وتأثر حركة الإخوان المسلمين في الأردن بفوز حركة حماس، مما رفع من سقف توقعاتها السياسية، كل هذا أدى في النهاية إلى تشكل حالة من الصعود الإسلامي، تمثَّلت في الصعود السياسي لحركة الإخوان المسلمين.
وعبَّر هذا الصعود عن ميلٍ واضحٍ لدى جماهير الأمة تجاه التحرر الحضاري والاحتكام للدين، وتأييد المقاومة، وكلها عناصر يُعبِّر عنها التيار الإسلامي، ومنه حركة الإخوان المسلمين، أكثر من غيره من التيارات، لهذا أصبح من المؤكد أن هناك توجهًا جماهيريًّا لرفضِ الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، وتأييد الحركة الإسلامية لتصل إلى السلطة، ولهذا أصبحت الحرب مشتعلةً بكل الطرق والوسائل، ضد جماعات الإخوان المسلمين في مصر والأردن وفلسطين، وهي ليست مجرد حلقة من الصراع، بل هي مرحلة تتجه للمواجهة الشاملة، يهدف من خلالها تحالف القوى الخارجية والأنظمة الحاكمة إلى القضاء على التوجهِ الجماهيري الإسلامي، وحرمان حركة الإخوان المسلمين، وغيرها من الحركات الإسلامية من العمل السياسي، وهي حرب سوف تحسمها الجماهير في النهاية.