بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل

المشهد في غزة يسمح بتعدد التفسيرات، حيث ساد التفسير الصهيوني في غيابِ التفسير العربي، وكان اللافت للنظر هو أن سويسرا هي وحدها التي أدانت السلوك الصهيوني على أساس أنه يتناقض مع اتفاقات جنيف الخاصة بالقانون الدولي الإنساني، وعلى الأخص الاتفاقية الرابعة التي توفِّر الحماية للسكان المدنيين تحت الاحتلال الحربي.

 

والمشهد في غزة باختصار الذي بدأ يوم 28/6/2006م هو أنَّ عمليةً عسكريةً قامت بها المقاومة الفلسطينية ضد أحد المواقع العسكرية الصهيونية قُتل فيها عددٌ من الجنود الصهاينة، وتم اختطاف أحد الجنود حيًّا، فاتخذت تل أبيب من هذه العملية ذريعةً للإعلان عن أن القضية تنحصر في عملية "إرهابية" قام بها "الإرهابيون الفلسطينيون" واختطفوا فيها جنديًّا "إسرائيليًّا بريئًا" يقوم بواجبه وفق تعليمات الحكومة الصهيونية!!

 

صوَّرت "إسرائيل" الحادثَ على أنه عملٌ إرهابيٌّ لا يجوز التفاوض بشأنه أو التوصل إلى تسويةٍ حوله، وإنما قررت أن قواتها والمجتمع الدولي كله يقفون صفًّا واحدًا ضد الإرهاب، وتقوم بعملياتٍ واسعةٍ يتم فيها تدمير المنشآت الحكومية، ومنازل السكان، وقتل واعتقال "العناصر الإرهابية"!!، وذلك حتى يُرغَم الخاطفون على تسليم الجندى المخطوف دون مقابل، وهو إطلاقُ سراحِ معتقلين من النساءِ والأطفال في السجونِ الصهيونيَّة.

 

ساندت الولايات المتحدة هذه النظريةَ الصهيونية، ووسَّعت دائرةَ الاتهام، لكي تشمل أيضًا القيادات السياسية لحماس في سوريا وفي فلسطين، وكذلك اتهام سوريا ومطالبتها بتسليم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، والذي تعتبره "إسرائيل" والولايات المتحدة رأس الإرهاب!!

 

كذلك باركت واشنطن اعتقالَ الصهاينةِ لعددٍ كبيرٍ من وزراءِ الحكومةِ الفلسطينية وأعضاء المجلس التشريعي، وقدمتهم بالفعل إلى المحاكمة بتهم القيام بعمليات إرهابية!!، ولا تزال "إسرائيل" تصرُّ على أنَّ الحملةَ العسكريةَ الشاملةَ على غزة، وسكَّانها سوف تؤدِّي إلى تحريرِ الجنديِّ المخطوفِ، دون أن تضْطَّرَ إلى إدخالِ سابقةِ الخطفِ كوسيلةٍ من وسائلِ الصراع، علمًا بأنَّ هذه الوسيلة استخدمت بالفعل بنجاح من جانب حزب الله في لبنان.

 

من ناحيةٍ ثانية، فإن "إسرائيل" سجَّلت أن معظم الدول العربية تعتقد أن قضية غزة هي فقط قضية الجندي المخطوف، وأشارت بعض التعليقات الصهيونية إلى أن معظم الدول العربية لا تمانع في أن يكون هدف العملية العسكرية الكبيرة في غزة هو إسقاط حكومة حماس، ولكن خطف وزراء حماس يحرج الحكومات العربية.

 

لا شك أن تحديد طبيعة المشكلة هو الذي يحدد القضايا القانونية التي تثيرها هذه المشكلة، فإذا كان الكيان الصهيوني يصر على أن نقطة البداية والنهاية هي خطف الجندي الصهيوني في عملية تصفها بأنها إرهابية، ولذلك فإن أي فعل في سبيل استرداده يكتسب المشروعية من الطابع الإجرامي للخطف، وكذلك نبل الهدف الذي يحرِّك كلَّ هذه الإجراءاتِ وهو تحريرُ الجنديِّ من خاطفيه.

 

ويبدو أن سويسرا لا تُمانع في قبولِ هذا الوصف القانوني الذي يُجرِّم الخطف، ولكنها تدين التصرفات الصهيونية لأسبابٍ عديدة: أولها عدم التناسب بين الفعل الفلسطيني ورد الفعل "الإسرائيلي"، وبالطبع فإن سويسرا ليست معنيةً بما نرى من أن الخطف هو الذريعة، وأن الهدف الحقيقي متعدد الطبقات وينتهي في المدى المنظور إلى إسقاط حكومة حماس.

 

أما السبب الثاني في الموقف السويسري فهو أن العملية الصهيونية تعتبر عقوبةً جماعيةً دون تمييز، وهذا لا يفترض مشروعيةَ الخطف من عدمِه؛ لأن اتفاقيةَ جنيف الرابعة تمنع دولةَ الاحتلال من إنزالِ العقابِ الجماعي وترويعِ السكان المدنيين.

 

كذلك تعتقد سويسرا أن خطفَ الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي تؤدِّي إلى تعطيلِ أعمال الحكومة، مما يدين الاحتلالَ المسئولَ عن انتظامِ حياةِ الفلسطينيين ومرافقهم وتوفير الأمن لهم، وخاصةً الكهرباء والماء التي قطعتها "إسرائيل" عنهم وتتكَّفل الغارات الجوية بترويعهم، وبثِّ الرعب في قلوبهم بل وقتلهم.

 

ولكننا نرى أن مهاجمةَ المقاومةِ الفلسطينية لموقعٍ عسكري صهيوني أمرٌ مشروعٌ في إطار الصراع بين المقاومة والاحتلال، وأن خطف الجندي الصهيوني حتى لأغراض المقايضة مع المعتقلين الفلسطينيين أمرٌ مشروعٌ أيضًا، ولكن يعتبر الجندي أسيرًا في يد المقاومة الفلسطينية، ويتمتع بوضعِ الأسير وفقًا لاتفاقية جنيف الثالثة، أما قيام "إسرائيل" بخطف الوزراء وأعضاء البرلمان فهي مخالفةٌ جسيمةٌ لاتفاقية جنيف الرابعة واتفاق أوسلو ولاتفاقيتي نيويورك لعامي 73 و79، وهما يقدمان حمايةً قانونيةً دوليةً للشخصيات المحمية دوليًّا، ومن بينهم المسئولون الفلسطينيون؛ بل إنَّ تقديمَ هؤلاء المسئولين إلى المحاكمة أمام محكمة صهيونية هو إمعان في تجاهل قواعد القانون الدولي.

 

ولا يجوز مقايضة الأسير الصهيوني بالمسئولين الفلسطينيين، وذلك بسبب اختلاف الطبيعة القانونية لخطفِ الجندي ولاعتقال المسئولين الفلسطينيين، الخطف مشروع للجندي المقاتل، بينما خطف السياسيين وتعويق عمل الحكومة غير مشروع.

 

كذلك فإنَّ أعمالَ القتل والاغتيال وتدمير المنازل والمنشآت تعتبر كلها جرائم حرب تلحق بالمسئولين الصهاينة كما تلحق بالمسئولين الأمريكيين الذين يؤيدون هذه الجرائم.

 

وقد يرد البعض بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي يعتبران المقاومة الفلسطينية إرهابًا كما يعتبران المنظمات الفلسطينية إرهابية، وقد تمَّ وضعها على القائمة السوداء مما يعني تجريم المنظمات وأعمالها، مما يسمح "لإسرائيل" بقتلهم بموجب قوائم المطلوبين، وبالفعل تقوم "إسرائيل" بتنفيذ أحكام الإعدام في قيادات المقاومة تطبيقًا للنظرية الأمريكية التي تقر قتل الإرهابي قبل التحقق من هويته والتيقن من أعماله، ولم نسمع إدانةً واحدةً من الجانب الأوروبي والأمريكي.. وهذا الموقف الداعم للجرائم الصهيونية يؤدِّي إلى إدانةِ الزعماء الأوروبيين والأمريكيين، ويتطلب من العالم العربي موقفًا واضحًا مساندًا للمقاومة المشروعة.

 

والخلاصة أنَّ الحملةَ الصهيونيةَ ضد الشعب الفلسطيني تتناقض مع التزامات "إسرائيل" في اتفاقية جنيف الرابعة، وفي قواعد القانون الدولي باعتبارها سلطةً محتلةً، وذلك في ضوء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي تحدته "إسرائيل" والولايات المتحدة صراحةً؛ ولذلك فإن إدانة كافة التصرفات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جانب محكمة العدل الدولية في قضية الجدار العازل تصلح أيضًا في تحديد الوصف القانوني لعمليات اجتياح غزة من جانب "إسرائيل"، مهما حاولت أن ترغم العالم على تصوير الموقف على أنه قضية الجندي المخطوف في عملية إرهابية.

 

ولو قدر لمحكمة العدل الدولية أن تُعقِّبَ على اجتياح غزة من جانب "إسرائيل" لأعادت التأكيد على عددٍ من فقرات الرأي الاستشاري، ولأمرت "إسرائيل" بالكفِّ عن مهاجمة الفلسطينيين، والكف عن تعويق حكومة حماس والإطلاق الفوري للوزراء والنواب المعتقلين، ولأمرت "إسرائيل" بالدخول في مفاوضات جديدة من أجل التوصل إلى تسوية عادلة للصراع في فلسطين.