بقلم: فرج شلهوب
ما يجري في غزة الآن بين الاحتلال والمقاومة صراع إرادات.. عضُّ أصابع، والنصر لمن يُحسن الصبر ويُدير معركتَه بالكثير من الجلَد والحكمة والأناة.
![]() |
|
الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليت |
المحتلون من جهتهم تقوم إستراتيجيتهم في إدارة الصراع على أمرين: كسب المزيد من الوقت لجمع معلومات عن مكان وجود الجندي الأسير، تسمح للجيش الصهيوني بتنفيذ عملية كوماندوز استعراضية لإطلاق سراح الجندي، وليس مهمًّا إذا ما انتهت العملية إلى قتْل الجندي، فبقاؤه حيًّا وأسيرًا هي المشكلة التي تُحرج الصهاينة وتشكِّل صدمةً لهم، وموته أيسَرُ عشرات المرات على أولمرت وعصابته من بقائه أسيرًا في غزة.
أما الأمر الآخر في الإستراتيجية الصهيونية فقد تبلور في الطريق؛ حيث يتم استثمار ما يجري لتوجيه ضربة قاصمة لحماس، حماس الجهاز العسكري الذي خرج عن الخطوط الحمراء وأصبح تهديدًا وجوديًّا لـ"إسرائيل"، وحماس الحكومة؛ لأن خطة أولمرت أحادية الجانب لا يمكن أن تسير على قدمين بسلام، إذا ما كانت حماس معافاةً تعزِّز وجودها في قيادة الشعب الفلسطيني وتستجمع قوةً عسكريةً ضاربةً.
إن مناورة جيش الاحتلال غدَت مكشوفةً، استثمار عامل الوقت، وتحريض عيون الاحتلال وجواسيسه من كل لون، وبعضها يتغطَّى بثياب وطنية، للكشف عن مكان الجندي، للسماح لحكومة المذعورين في تل أبيب بأن تمارس هواياتها في الاستعراض، فثمة تقاطع مصالح هنا، للاحتلال بإنهاء أزمته وخروجه من دائرة الحرج والمهانة، ومصلحة لآخرين صغار أفصحوا عن أنفسهم، على شاكلة الأحمد، يبحثون عن فرصة لإشغال الفراغ الناشئ عن اعتقال النواب والوزراء، وربما اغتيالهم في الأيام القادمة، ومن موقع الدونية وعناق المحتلين والعداء للمقاومة والشرفاء.
فليس مهمًّا عند هؤلاء أن يكونوا شركاء في الدفاع عن الوطن، ولا أن يكونوا كبارًا يترفَّعون عن الدنايا وخدمة أجندات المحتلين، والأسوأ أنهم بالأمس القريب كانوا قد أنهكوا أنفسهم بذرف الدموع على الأسرى، وأنهم أنبل مَن في الأرض بعد الشهداء (لتمرير الوثيقة إياها)!! إلا أن بكاءَهم لم يمنعهم مِن أَن يفسدوا على الأسرى- بعد خطف الجندي- فرحتَهم بأن ثمة فرصةً مهما كانت محدودةً، وهي ليست كذلك لطرح قضيتهم على الطاولة بعد سنين من النسيان، وأكثر من ذلك فرض الإفراج عن المئات منهم، في خطوة سيكون لها ما بعدها.
إن حماس تكبر وتشرف بأن تكون طليعة المقاومة ورايتها الأعلى، والتضحيات التي تقدم هي التي سترسم آفاق المستقبل وتحدد الخطوط الحمراء في الترتيب الجديد في العلاقة مع الاحتلال.
فليس معقولاً أن يستمر الحصار والخنق والتجويع والتركيع وسياسة التآمر على الخيار الحرّ للشعب الفلسطيني، ثم يسكت الرجال ويبلعون الإهانات، والمعقول أن يفهم الاحتلال أن حياة ودماء الفلسطينيين ليست رخيصةً، وأن إرادة القتال في روحهم ما تزال في ذروتها، وأن استعداء الصادقين- رغم كل ما أبدوه من حكمة وكظم للغيظ- لن يعود بالفائدة على المحتلين ولا المتآمرين، وأنه ليس بوسع أولمرت مثلما سلفه وخلفه أن يقرر ما يشاء فيما يخص حياة الفلسطينيين وحقوقهم، مفترضًا عدم وجودهم؛ استهانةً واستخفافًا، فيذهب إلى تطبيق ما يسمى خطته أحادية الجانب غير عابئ بأحد، ناسيًا أن على هذه الأرض ثمة مقاومة لن تستطيع "إسرائيل"- ومِن ورائها أمريكا- أن تقفز من فوقها، مقاومة قادرة على الإبداع في جولات لا تنقضي، كل جديد يقضّ مضاجع الغزاة والمستكبرين.
وإذا كانت أهداف المحتل غدت مفضوحةً فإن المقاومين معنيون بأن يتأكدوا أن لهذه المعركة ما بعدها، ليس على صعيد إطلاق سراح الأسرى، ولكن أيضًا في تقرير شكل العلاقة مع المحتلين وأعوانهم في المستقبل، وإنه لا يجوز الاستهانة بالشعب ومقاومته وممثليه أو التجاوز أو التطاول عليهم أو حشرهم في الزاوية، فمَن يبحث عن
