بقلم: د. محمد المحاسنة
تعود جذور المشكلة بين الحركة الإسلامية والحكومة الأردنية إلى المشكلة الأساسية المعروفة على نطاق أممي عالمي بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وبين الحركة الإسلامية العالمية من جهة أخرى.
هذه المشكلة واسعة النطاق بدأت عندما انهار الاتحاد السوفييتي كقطب كان ينافس الولايات المتحدة على مناطق النفوذ، وبرزت حاجة الولايات المتحدة إلى عدوٍّ تدخَّل معه في صراعٍ يبرر لها السيطرة على مناطق النفوذ هذه، ولا يوجد مناطق نفوذ في العالم تحوم حولها أطماع الغرب في الوقت الحاضر إلا العالم الإسلامي بثرواته النفطية، ولم تجد الولايات المتحدة في حينه دولةً كبرى لتكون هي ذلك المنافس العدو، وكان الخيار الوحيد أمامها هو استغلال ذلك الاختلاف القائم بين الحركة الإسلامية وبين الأنظمة الحاكمة في دول العالم الإسلامي، ومن أجل تبرير الصراع مع الحركة الإسلامية العالمية رسمت الخطط لوصمها بالإرهاب وهكذا كان ما كان، وأصبح المطلوب من الأنظمة الحاكمة في دول العالم الإسلامي الانحياز مع الولايات المتحدة ضد ما تسميه هي بالإرهاب، وأصبحت الحرب المسماة الحرب على الإرهاب أمرًا واقعًا.
هذه الحرب تُعتبر وبحقٍّ أشرس هجمة غربية على العالم الإسلامي، وشراسة هذه الحرب أتت من خبث الأدوات المستعملة فيها وعدم نظافتها، فالعالم الإسلامي الآن يهاجم فيه المسلمون من قبل مسلمين تستخدمهم أمريكا كأدوات في هذه الحرب، بينما تقف جيوشها لحراسة وكلائها في قتل المسلمين أو خلق المبررات لأعمال القتل، والحرب في أفغانستان وما حصل في قلعة جانجي ليس بعيدًا عن الذاكرة، وليس العراق بعيدًا عن هذا السيناريو، وما دار إلى وقت قريب في الجزائر لم ينته بعد، وما يمارَس ضد الفلسطينيين ليس إلا من أجل دفعهم للعب نفس الدور المشبوه؛ حيث المطلوب أن يقتتل المسلمون ضد بعضهم البعض، إنها نظرية هنري كيسنجر طيب الذكر، الذي قال إن في العالم الإسلامي طاقةً كامنةً ولكنها قويةٌ جدًّا وفيه تناقضات يمكن استخدامها لجعل هذه الطاقة الكامنة وسيلةً للتدمير الذاتي؛ حيث سميت نظريته فيما بعد بدبلوماسية الكراتيه التي يعتمد فيها على قوة الخصم الذاتية لإلحاق أكبر قدر من الأذى بنفسه عندما تطيش ضربته ولا توجه إلى خصمه.
والحرب على الإرهاب التي تشنُّها أمريكا في عالمنا الإسلامي بدأت معتمدةً على مراحل يختلط فيها العمل العسكري مع الاستخباري والإعلامي في تنسيق يتوافق مع قدرات إمبراطورية في القرن الحادي والعشرين، أولى هذه المراحل وصف فيها مَن قاموا بأحداث 11 سبتمبر والتنظيم الذي يقف من ورائهم بالإرهابيين، ثم طال وصف الإرهاب حركة طالبان ومَن يقومون بأعمال عنف مباشرة، ثم تطوَّر الأمر إلى مرحلة أخرى؛ حيث أصبحت أمريكا تنعت به كلَّ إسلامي يحمل السلاح لقتال عدوٍّ على أرضه هو، فأصبح حزب الله إرهابيًّا وحركة حماس وغيرها في فلسطين حركاتٍ إرهابيةً، ثم وفي مرحلة ثالثة وبخطوات أحادية الجانب (من طرف واحد وهو أمريكا والغرب الذي يساندها) أصبح كل مسلم أو إسلامي مشتبهٌ بأنه مؤيد لهؤلاء المذكورين إرهابيًّا إلى أن يثبت العكس وقد تأتي مرحلةٌ يهاجم فيها الشاب المسلم لمجرد المظهر الإسلامي، إما بالقتل أو الاعتقال، ولن نستغرب إذا ما مُنع ارتداء الحجاب في مدارس وجامعات إسلامية وعربية وليس فرنسية، وآخر مرحلة نتوقع الوصول إليها في هذه الحرب هي اعتبار كل إسلامي لمظهره أو فكره أو ربما محافظته والتزامه بالإرهابي الذي يجب أن يهاجم أو يعتقل.
لكن وعلى ما نرجح بأن أمريكا كانت سيئةَ الحظ عندما وقع خيارُها على الإسلام ممثلاً بالحركات الإسلامية كعدو، فحرب أمريكا المعلنة الآن في العالم الإسلامي ستكون مثل أي حرب سابقة قُصد منها النيل من الإسلام ومن المسلمين؛ لأنهم مسلمون، ستنتهي هذه الحرب بخسارة أمريكا لها، فالإسلام كإسلام لا يهزم، والهزيمة هي هزيمة الإرادة، والإرادة في الإسلام لا تهزم أبدًا حتى لو دمِّر العالم الإسلامي فإن المسلم لا يهزم، لا نقول ذلك تعصبًا وإنما هذا هو فكر القرآن ومنهاج الإسلام، لقد هزم الإسلام المغول بعد أن دمر هؤلاء بغداد، وهزم الإسلام إمبراطورية الفرس وإمبراطورية الروم ثم إمبراطورية الفرنجة في الحروب الصليبية، وإمبراطورية الإنجليز في أفغانستان، والإمبراطورية السوفييتية أيضًا في أفغانستان، وهزمت فرنسا في الجزائر، وها هي الولايات المتحدة يقودها القدر إلى أفغانستان والعراق والعالم الإسلامي مرةً واحدةً.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما علاقة الأزمة بين الحكومة الأردنية والحركة الإسلامية في الأردن في حرب أمريكا هذه؟! من هنا ومن خلال الجواب على هذا التساؤل نعود إلى عنوان هذا التحليل ما المشكلة في الأردن؟ وما هو الحل؟!
نعود في الذاكرة إلى الوراء عندما بدأت أمريكا حربَها المسماة الحرب على الإرهاب، فقد رفض كثير من المسلمين والعرب وصْمَ الإسلام أو ما له علاقة بالإسلام بالإرهاب، وكان ذلك موقفٌ معلنٌ أيضًا من قبل الأردن وعلى أعلى مستوى فيه، وكان هذا الموقف أيضًا هو المعبر عنه في أكثر من بلد عربي وإسلامي، ثم وفي مرحلة لاحقة ومن أجل دفع الدول الإسلامية والعربية إلى مواقف معلنة إلى جانب أمريكا في حربها على ما تسميه بالإرهاب وقعت أعمال تفجير وعنف في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وكان الأردن واحدًا من هذه البلدان، فقد وقع هجومٌ في العقبة ثم حصلت تفجيرات الفنادق في عمان، وهنا لا بد من التوقف قليلاً؛ لأننا لو قلنا في هذا التحليل إن أمريكا هي مَن كان يقف وراء هذه العمليات لَجانَبنا الصواب ولَمَا كان الكلام منطقيًّا.
أما ما نرجِّحه فهو أن التنظيم الذي دبَّر هذه العمليات قد استدرج من جهة استخبارية كبرى إلى هذه الأهداف بمعلومات مضللة تدفع التنظيم للقيام بالعملية، ثم يتضح زيف المعلومات المضللة عندما يقع الأبرياء من المدنيين ضحايا لهذه العمليات.. حصل ذلك- وعلى الأرجح- في دول أخرى غير الأردن، موقف الحكومة الأردنية أمام سقوط حوالي ستين شخصًا ضحايا للانفجارات من مواطنيها لن يكون مرحبًا ولا مستحسنًا لهذه الأعمال، وإنما سيكون محاربًا للجهة التي قامت بهذه العمليات ودون مواربة، بالمقابل فإن موقف بعض الأعضاء في الحركة الإسلامية يصنعه خليط من العناصر، فالجهة التي أعلنت مسئوليتها عن عمليات الفنادق تخوض وفي نفس الوقت حربَ مقاومة ضد الاحتلال في العراق، والموقف المعلن لقادة التنظيم الذي دبّر العمليات هو نصرة الإسلام، وفي نفس الوقت سقوط أبرياء مسلمين وغير مسلمين من مواطني الأردن لا نظنه أبدًا من قبيل الأعمال التي يرتضيها الإسلاميون في الأردن، لكنَّ حصيلة التباين في النظرة للأمور تكون مؤثرةً، والنتيجة أن خطاب الحكومة في الأردن سيكون مختلفًا عن خطاب بعض الإسلاميين عندما يعبر كل من الطرفين عن المشكلة.
وكانت النتيجة أن الخلاف قد وقع، وأن كلاً من الطرفين أخذ الجزء المسموع من كلام الطرف الآخر دون معرفة الدوافع والعوامل التي أدت إلى صناعة الجمل الكلامية وصياغتها، وهذه العناصر جزءٌ من الكلام، ولكنه الجزء المسكوت عنه، ومثل هذا الوضع يؤدي إلى الاختلاف لا محالة، فما هو الحل إذًا؟
هنالك حقيقةٌ علينا أن نعيشها جيدًا، وهي أن الحقيقة لا يمتلكها طرفٌ واحدٌ، وأنه لا يجوز احتكارُها من قبل أحد ليعلن موقفه ثم يعتبرها الحقيقة التي لا يتنازل عنها، وحقيقة أخرى على كل منا أن يعيَها جيدًا أنه عندما يعبر عن موقف ورأي أو يتخذ إجراءً فإنه لا يعبر عن رأي الأغلبية الصامتة وإن مجرد ادعاء أن موقفه هو موقف كل الصامتين وغير المعبرين هو عبارة عن عملية استيلاء وغصب تمارس على هؤلاء وهم من موقفه ورأيه براء، وما دام الأمر كذلك وما دام أطراف المشكلة هم حكومة ونواب وكل أولئك أردنيون فإن مِن أبسط حقوق الفرد المواطن، سواءٌ كان نائبًا أو غير نائب أن يسمع ويعبر عن رأيه ويبرر منطقه.
فلماذا لا يكون الحوار هو البديل عن المواقف المتصلبة؟! لماذا لا يسمع كل طرف الآخر ويقارع الحجة بالحجة، ثم يؤدي ذلك إلى زوال كثير من الغمام وانفتاح القلوب، فيرضخ المخطئ لحجة الطرف الآخر؟ لماذا لا تحاول الحكومة إقناع النواب الأربعة بوجهة نظرها حتى يعتذروا، فمن يطلب الاعتذار من شخص ما يطلب منه القيام بشيء يعترف بأنه أخطأ فيه وبعد أن يقتنع بخطئه فالعقاب هو الذي ينفذ عنوةً وبالقوة لكن الاعتذار دائمًا لا يُطلب بالقوة وإنما يُطلب من الشخص للدلالة على أنه اقتنع بوجهة نظر الآخر وخطأ وجهة نظره هو، ولا يكون ذلك إلا بعد حوار ومقارعة الحجة بالحجة، ومن يلزم الآخر الحجة فعلى الآخر أن يحترم المنطق والحق.
إن طلب الحكومة الاعتذار هو دليل على أنها ليست ماضيةً في حالة عدائية مع الحركة الإسلامية وإلا لما طلبت ما يؤدي إلى جلاء الصدور ومسح الزلات وهو الاعتذار؛ ولأجل ذلك ومن خلال هذه الدلالة فإننا نوجِّه دعوةً من مواطن أردني يتوسم في حكومته الخير، وللحركة الإسلامية في الأردن لأنه يتوسم فيها الخير أيضًا، أن يكون هنالك حوارٌ ولقاءٌ ودفاعٌ عن وجهات النظر، وليكن هذا الحوار طويلاً، ولتكن هنالك جلساتٌ وجلساتٌ، ولا نظن أن حلاً آخر هو أفضل من هذا الحل، فهل تستجيب حكومتنا الموقَّرة إلى هذه الدعوة؟! نظنها كذلك إن شاء الله.