بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل
يبدو أن العالم العربي قد أصيب بالارتباك في قراءة المشهد الفلسطيني؛ بسبب الإدارة "الإسرائيلية" للمشهد الفلسطيني، ويخشى أن يقع العالم العربي في فتنة القراءة الإسرائيلية والإخراج الإسرائيلي لهذا المشهد. ولذلك فقد يكون من المفيد تقديم بعض الملاحظات التي تتصل بقراءة العالم العربي للمشهد الفلسطيني.
وفق السياق الزمني للأحداث هاجم الفلسطينيون موقعًا عسكريًّا "إسرائيليًّا" على الحدود بين غزة وإسرائيل، فقتلوا عددًا من الجنود وأسَروا أحدَهم وقرَّروا مقايضته بعدد من الأسرى الفلسطينيين من النساء والأطفال الذين يعانون في سجون الاحتلال، وقد أكدت تقارير "إسرائيلية" بأن هذه العملية تعد تطورًا نوعيًّا في عمليات المقاومة ضد إسرائيل وهزيمة للموساد والمخابرات العسكرية "الإسرائيلية", كما ظهرت الحكومة "الإسرائيلية" وقد أصابها الارتباك، ثم أعلنت أن أولمرت أمرَ الجيش بعمليات مفتوحة وواسعة ضد غزة، واتهمت "إسرائيل" حكومة حماس بالإرهاب, كما اتهمت أبو مازن بالعجز عن وقف الإرهاب وأمهلت الحكومة الفلسطينية 24 ساعة لإطلاق سراح الأسير وإلا واجهت العواقب.
وفي اليوم التالي، أي يوم 29/6، بدأ الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة برًّا وبحرًا وجوًّا, كما قامت إسرائيل باعتقال معظم أعضاء الحكومة الفلسطينية وعدد كبير من أعضاء حماس في المجلس التشريعي، وفي مساء يوم 29/6 أعلن أولمرت أنه قرَّر بعد التشاور مع رؤساء الأجهزة الأمنية عدم توسيع عملية الاجتياح, وإن كان القصف المدفعي والصاروخي وأعمال الاغتيالات قد استمرت وفق خطة منظمة تستهدف القيادات الميدانية وقطاعات من الشعب الفلسطيني.. هذا الموقف يثير عددًا من الملاحظات الضرورية لتحليله وفهمه ووضعه في سياقه الصحيح:
![]() |
|
الجندي المأسور من عملية كرم أبو سالم جلعاد شاليت |
أولاً: أن قرار الاجتياح الشامل لغزة ردًّا على أسْر جندي واحد في عملية عسكرية يهدف إلى إرسال عدد من الرسائل, أهمها أن الشعب الفلسطيني بأكمله لا يعدل مجرد جندي "إسرائيلي" واحد, وهذه الرسالة مؤلمة بالنسبة للدول المجاورة التي يُقتل جنودُها وهم يؤدون واجبَهم الرسمي ثم يصبح اتهام "إسرائيل" لهم والذي تسبب في قتلهم معلقًا، ومع ذلك لا تُظهر دولتُهم أيَّ غضب أو شعور بالخسارة، وبصراحة أكبر وللتاريخ أقول إن تكرار قتل إسرائيل لجنود مصريين وهم في مواقعهم الرسمية وفي الأراضي المصرية دون أن تعلق الحكومة المصرية رسميًّا على ذلك ينطوي على ظلم مزدوج، فهو ظلمٌ للجنود الضحايا ولأسرهم, كما أنه ظلمٌ للشعب المصري.
أما الظلم الذي لحق بالضحايا فيتمثل في أن سكوت الحكومة المصرية على قتلهم على أراضيهم- وهو أبشع صور التفريط بالسيادة المصرية- يعني التسليم بأن اتهام "إسرائيل" لهم بدخول أراضيها ليس دخولا بريئًا, وأن هؤلاء الضحايا وفقًا لهذا المنطق يستحقون القتل؛ بسبب "غبائهم" وعدم قدرتهم على التمييز بين خط الحدود المصرية و"الإسرائيلية", وهو أمرٌ شائن بالنسبة لمصر.
كذلك فإن هذا السكوت قد يعني أن هؤلاء الضحايا قد كُلفوا بعمليات داخل "إسرائيل"، وأنهم بسبب "غبائهم" مرةً أخرى قد انكشفوا؛ ولذلك فإن الحكومة المصرية لا تريد أن تكشف نفسها مع إسرائيل، وهذه فرضيةٌ مستحيلةٌ في ضوء الشفافية التامة والإخلاص المصري الواضح لإسرائيل, وهذا الإخلاص هو نفسه الذي يدفع مصر إلى التغاضي عن مقتل جنودها على يد إسرائيل في مناسبات متفرقة.
ثانيًّا: أن إسرائيل تنظر إلى الوساطة المصرية على أنها طريقٌ لتحقيق هدفها، وهو إطلاق سراح الجندي "الإسرائيلي" المخطوف دون مقايضته بأسرى فلسطينيين، ولكن مصر أصرَّت على أن العدوان على الشعب الفلسطيني ليس له مبرِّرٌ, وأن الموقف الأمريكي يشجِّع "إس
