بقلم: د. عبد المنعم أبو الفتوح*

يظل النقاش حول السلطة والقيادة في المجتمع نقاشًا مفتوحًا على آراء وأفكار كثيرة، ويظل التاريخ هو مخزن العِبَر والتجارب الذي يحوي نماذجَ كثيرةً من تلك اللحظات الحرجة في حياة الأمم والشعوب.. لحظات انتقال السلطة وتغير القيادة.

 

وحاجة المجتمعات للسلطة تُماثل حاجاتِها للماء والغذاء، لا نقاشَ حول ذلك، وتاريخُ الأفكار والفلسفات مليء بالنظريات والمبادئ- الغثّ منها والسمين- حول الحكومة الرشيدة والمثالية، وأشكال كثيرة أخرى تناولتها الأمم والشعوب في سعيها نحو ضبط هذا المفهوم الذي تلبَّسته الأهواء والإغواءات؛ لأنه بالتفسير الإيماني الذي نعتقده  هو أسهل باب للشيطان في الزيغ بين ذرية آدم عليه السلام.

 

الحديث عن السلطة والقيادة يرافقه بالضرورة الحديث عن النخبة.. تلك الفئة التي تعددت تعريفاتها وفقًا لثقافة كل مجتمع وأعرافه.. فعندنا مثلاً نحن الإسلاميين نعرف النخبة على أنها أولو النُّهَى.. العقلاء الحكماء أصحاب الرأي والمشورة.

 

وفي مجتمعات أخرى تُعرف النخبة وفقًا لصلات القرابة بين أصحاب السلطة والقرار أو حسب الإمكانات المادية، وهناك بالطبع النخبة العسكرية والنخب السياسية، وطبيعي أن يكون هناك خلافٌ بين هذه النخب حول الأولويات والإستراتيجيات، وطبيعي أيضًا أن ينشأ خوفٌ وقلقٌ بين النخب بعضها البعض.

 

وقد وصف بعض الباحثين السياسةَ بأنها نزاعٌ وتنافسٌ مستمرٌّ بين هذه النخب، ويُقاس تطور المجتمعات ونضجُها بالسياسة العامة التي يُدار بها هذا النزاع، وقد رأينا في التاريخ أن هذا النزاع أخذ شكلَين، شكلاً عنيفًا مدمِّرًا وشكلاً سلميًّا دستوريًّا.

 

قرأنا عن العنف بين النخب المتصارعة في إنجلترا والذي استمر قرونًا والذي تطوَّر إلى شكل سلمي ودستوري، قرأنا عن العنف في الولايات المتحدة الأمريكية وقت الحرب الأهلية والذي تطور أيضًا إلى شكل سلميٍّ ودستوريٍّ، ولعل تجربة انتقال السلطة في التاريخ الإسلامي بعد انتقال الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى جديرةٌ بالتوقف عندها وتأملها.

 

كان صحابة رسول الله في السقيفة يمثلون (النخبة) أولي النهى والرأي، اختلفوا وطال بينهم النقاش، تحاجّوا وطال بينهم التحاجّ، لكن أبدًا لم تتحرك سحابةُ العنف فوق رؤوسهم، كانت السقيفة أول مؤتمر بشري أرضي يتناقش فيه البشر نقاشًا حواريًّا حول وضعية السلطة في المجتمع، وانتهوا فيه إلى اختيار رئيس لا يلبث أن يسلم له الجميعُ بحقه الشرعي في الإدارة، وتَكتسب قراراتُه حين صدورِها شرعيةَ التطبيق، على خلفية أن السلطة الحقيقية الأصيلة إنما هي للأمة، وهو ما يعطيها كلَّ الحق في المراقبة والمحاسبة لمَن فوَّضته الإدارة هذه السلطة.. كان الأمر هنا بين الرجال أصحاب العقول والرأي والمشورة، الذين إن بنَوا أحسنوا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن عقدوا شدُّوا، وإن غضبوا جاء العقل والجد، كما يقول الشاعر.

 

فكان الأمر على ما انتهى إليه وتوالت القرون بعد ذلك، وتراوح انتقال السلطة بين لحظات حرجة عنيفة وأخرى سلمية، والأغلب أنها كانت سلمية؛ لأن الثقافة الإسلامية تنزع بأصحابها إلى فكرة الدولة المستقرة، وهذا كلامٌ حوله نقاشٌ كثيرٌ، خاصةً فيما يتعلق بمحورية العدل والحرية والتي هي الوجه الآخر للتكليف القرآني ﴿أَنْ أَقِيْمُوا الدِّيْنَ﴾ (الشورى) أو فيما يتعلق بفهم حركة التاريخ على خلفية المبادئ والقيم العليا.

 

نخلص إذن من هذه الإطلالة السريعة إلى أن لحظات التحول الحرج أحيانًا ما تتم في حياة الأمم والشعوب على جسرٍ من الألم والدموع، وأحيانًا ما تتم على جسرٍ من الحوار السياسي التنافسي مصونًا بمؤسسات يحترمها الجميع ويصونها الجميع ويساهم في قيامها من الأساس الجميع.

 

وتقسم المجتمعات الحديثة هذه المؤسسات إلى المؤسسة العسكرية والمؤسسة التشريعية والمؤسسة السياسية (الأحزاب وجمعيات المجتمع الأهلي)، وصارت النقاشات والمجادلات بين هذه المؤسسات تتم وتدور معزَّزةً بعوامل الثقة والاحترام، وأصبحت لحظاتُ انتقال السلطة وتحولها أقلَّ حرجًا بعد أن شاع بينها ما يمكن تسميته بثقافة السياسة السلمية.

 

والسؤال الكبير الذي يتحتَّم طرحُه في هذا النقاش هو: لماذا تأخر هذا الفهم في التطبيق داخل المجتمعات العربية؟! ولماذا استقر هذا الفهم على هذا النحو الراسخ الصلب في المجتمعات الغربية؟! هل هو بحر الدماء والآلام الذي عَبَرته الديمقراطيات الغربية من حروب دينية ونزاعات عرقية؟! وهو الأمر الذي لا تتوافر مكوناتُ وعناصرُ حدوثِه في مجتمعاتنا والحمد لله، كثيرٌ من الباحثين يميلون إلى قراءة التجربة الغربية على خلفية هذه الحروب والصراعات الأليمة.

 

لا شكَّ أن وجود الكيان الصهيوني باستعداداته العدوانية تجاه المنطقة العربية عنصر مهم في هذا الحديث، ولكن أليس مجتمعات مستقرة سياسيًّا واجتماعيًّا أدعى لتحجيم هذه الظاهرة الناشزة عن التاريخ والجغرافيا؟! والتي ينظر البعض إليها على أنها خيرُ نموذج في المنطقة لعبور جسر التحول الحرج هذا.

 

فرغم أن الكيان الصهيوني جيشٌ له دولةٌ كما يقولون إلا أن هذا الجيش في ترتيب مؤسسات الاستقرار يأتي بعد المؤسسة البرلمانية والمؤسسة السياسية فيها، وهو ما يجعل عملية انتقال السلطة تتم بلا أي حرج تقريبًا.

 

من المهم جدًّا التذكير بنماذج مثل الهند وجنوب أفريقيا، وهي نماذج قريبة من أحوالنا وأوضاعنا إن لم تكن أكثر تعقيدًا، والتي تحررت تمامًا من أي حرج في تحولات السلطة وتغيير القيادات.

 

أنا أدعو إخواننا المثقفين والسياسيين لفتح باب النقاش والحوار حول هذا المفهوم.. مفهوم التحوُّل الحَرِج للسلطة؛ "فمن استعان بالرأي ملك ومن كابَر الأمور هلك".

 

-------------

* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.