بقلم: السفير/ د. عبد الله الأشعل

أصبحت استباحة الدم العربي ظاهرةً يروِّح ضحيتها عشراتُ الآلاف من أبناء هذا الوطن، ويكون الفاعل والقاتل عادةً إما يدًا عربيةً أو نُظُمًا عربيةً، ولكن الفاعل القاتل الآن هو الجيش الأمريكي في العراق والجيش الصهيوني في فلسطين، ولا أظن أن هذا المقام يصلح لتعداد شهداء المجازر التي ارتكبتها القوات الأمريكية و"الإسرائيلية" في العراق وفلسطين، ولكنني أحثُّ مختلفَ الهيئات المختصة على أن تسجِّل في كتابٍ أسود تفاصيلَ هذه المجازر، لعل عدالة الأرض في المستقبل تكون فيضًا من عدالة السماء، كما أننا سنقتصر في هذه المقالة على تفسير السلوك الأمريكي و"الإسرائيلي" في استباحة الدم العربي.

 

أما الجرائم التي يرتكبها الجيش الأمريكي ضد أبناء الشعب العراقي فلا تقع تحت حصر، فتشمل أبسط صور الاحتقار والجرح والقتل بدم بارد، بل وصلت الرحمة بالجنود الأمريكيين في العراق أنهم يقتلون الجرحى رحمةً بهم ويأسًا من إمكانية شفائهم، وعندما ضجَّت منظمات حقوق الإنسان الدولية بالشكوى من وطأةِ هذه الجرائم تصدَّت الإدارة الأمريكية لمعالجة هذه الفضائح التي وصلت خطورتُها وتكرارُها وذيوعُها وقصص التعذيب الوحشي في معسكر أبو غريب وفي الطرقات بل وفي منازل السكان الآمنين حدًّا يصعُب السكوتُ عليه، وحاولت الإدارة امتصاص الغضب العالمي بطرق متعددة، وأخَصُّها ثلاثة:

أول هذه الطرق هو تشكيل محاكم عسكرية تبرِّئ المتهمين مما نُسب إليهم.

وثاني هذه الطرق هو إنكار الجريمة أصلاً.

وأخيرًا الزعم بأنه من الصعب إدانة المتهمين لأنهم يرفضون الاعتراف، كما يصعُب إثبات التهم الموجَّهة إليهم.

 

وقد قدم المتهمون أعذارًا متنوعةً لتبرير جرائمهم في العراق، منها الظن بوجود هجوم ضدهم ثم يَثبُت عدم وقوع الهجوم، والظن بوجود قنابل ومتفجِّرات أو تظاهُر بعض العراقيين بالبراءة ثم يغدرون بالجنود، ولذلك فإن هؤلاء الجنود يقتلون على سبيل الاحتياط، وبدافع الفزع، وصعوبة التمييز بين البريء والمدَّعي، ولكن الجرائم الأمريكية في العراق- مثل إخراج مواطن وأسرته من منزله ثم قتلهم جميعًا بدم باردة، وحفر حفرة ليدَّعي الجندي أن المواطن العراقي كان يعدُّ لوضع متفجرات- كلها جرائم تُرتَكَب بهدوء ودون استفزاز مسبق، ودون أن يرتكب الضحايا أيَّ عمل يبرِّر قتلهم.

 

كذلك ليس هناك تناسبٌ مطلقًا بين خطورة الجرائم وحساسية سلطات التحقيق الأمريكية تجاهها من ناحية وبين مقدار العقوبة المستفزة في معظم الأحيان من ناحية أخرى، وقد لاحظ الأستاذ  Gary Solis أستاذ القانون العسكري بجامعة جورجتاون في دراسة لحوالي 122 قضية- أثناء حرب فيتنام- أن عقوبات القتل كانت السجن المؤبد، وكانت أقسى بكثير من أحكام المحاكم المدنية عن نفس الجرائم، وسجَّل على سبيل المقارنة بين حالتي العراق وفيتنام أنه حكم في العراق على جنديين فقط بالمؤبد، بينما لم تزد الأحكام الأخرى عن السجن لخمسة أعوام، بل إن القادة في العراق يصرُّون على امتداح سلوك الجنود القتلة.

 

ولهذا السبب تساءل أحد الكتَّاب في مقالة في جريدة Christian  science monitor في 1/6/2006م عن مدى صلاحية القضاء العسكري لمحاكمة العسكريين، خاصةً في ظل ما ثبت وأكدته منظمات حقوق الإنسان العالمية من أن الفعل كان يتم في معظم الأحيان وفق سياسة رسمية وتعليمات من القيادات، فضلاً عن سجلِّ الأكاذيب والتواطؤ على الجرائم والتستُّر على الفساد؛ مما جعل سمعة الجيش الأمريكي في الحضيض.

 

أما السبب في شدة العقوبات على المتهمين في فيتنام عمن يرتكبون تلك الجرائم في العراق فيرى الأستاذ Gary  solis  أنه يعود إلى اختلاف نوعية الجرائم وحداثة عهد الجيش الأمريكي بحروب المدن والمنازل، ونحن نرى أن هناك سببين لهذه القسوة في الجيش الأمريكي، السبب الأول هو أن الجيش الأمريكي يقلِّد الجيش الإسرائيلي ويعمل وفق نصائحه، والسبب الثاني هو أن هؤلاء الجنود قد لُقِّنوا أن لديهم حرية القتل استخفافًا بالدم العربي ما دام العالم العربي قد استبيح فيه كل شيء كان مقدسًا فيه، فضلاً عن سجلِّ السلوك الوحشي لنُظُم الحكم، خاصةً في العراق ضد المواطنين، فلا فرقَ بين أن يُراق دمُ المواطن على يد قوات النظام في بلاده أو قوات الاحتلال.

 

وقد أفهم