بقلم: د. رفيق حبيب

النظام المصري الحاكم يحاول اغتيال حالة الحراك السياسي، والتي بدأت في مصر منذ عام 2005، فهل ينجح في تلك المهمة؟ في البداية يجب أن نتتبعَ حالةَ الحراك السياسي، ونعرف ما مكوناتها؛ حتى يتسنى لنا معرفة مصيرها، في ظل الصراع المستمر بين تلك الحالة والاستبداد السياسي الحاكم.

 

تتمثل حالة الحراك السياسي في ظهور الحاجة إلى التغيير، تلك الحالة التي ظهرت لدى النخب والحركات والقوى السياسية، ثم امتدت لدى قطاع ما من الجماهير أو قطاعات، والرغبة في التغيير تعني ضمنًا رفض الوضع القائم، وهو توجُّهٌ بات واضحًا لدى شرائح واسعة، ترى في الوضع القائم حالةَ تراجعٍ على مختلف المستويات، مما يعني أن الواقع الراهن مرفوض.

 

الواضح أن رفض الواقع الراهن سائد لدى العديد من الشرائح في الجماعة المصرية، كما أنه منتشر لدى النخب السياسية والثقافية، إلا تلك النخب المتحالفة مع النظام الحاكم، وعليه تكون الرغبة في التغيير سائدة لدى الجماعة المصرية، ولا يختلف أحد على الرغبة في التغيير، إلا النظام الحاكم، والذي يدعو أيضًا للتغيير، ولكن على طريقة إعادة إنتاج الاستبداد.

 

وفي هذا المناخ الرافض للأوضاع القائمة، تظهر صور محددة لهذا الواقع، من أهمها قضية الفساد، حيث بات واضحًا أن الفساد ينخر في عظام النظام، وأن النظام قائم على الفساد والاستبداد، وتلك هي أدواته في البقاء.

 

ومسألة الفساد تهم الناس جمعيًا، حيث يدمر الفساد الثروة الوطنية للمجتمع، وينهب أمواله، والتي يكون مصيرها التهريب للخارج في نهاية الأمر.

 

ووعي الناس بقضية الفساد بات واضحًا؛ لأن قصص الفساد موجودة في حياتهم اليومية بصورة مزعجة، وربما يكون الوعي بالفساد هو سبب الوعي بالاستبداد، لأن الاستبداد يحمي الفساد، وربما يكون أيضًا الوعي بالفساد هو سببَ الوعي العام بالحاجة للتغيير.

 

وفي ظل حالة الحراك السياسي تظهر مطالبُ كثيرةٌ على أسس مهنية أو نوعية، وهي حالة تصف الوعي بالحقوق المسلوبة، مما يشير إلى تزايد حالة الرفض، وحالة الوعي بالحقوق.

 

لكن لا نستطيع القول بأن حالةَ الوعي بالحقوق المسلوبة قد وصلت إلى ذروتها، ولكنها في البدايات الأولى، ومن تلك الحالة نرى العديد من موجات الغضب الشعبي في قضايا معينة، مثل حادثة العبَّارة "السلام"، وفيها نرى الغضب الشعبي تجاه النظام يشير إلى الفساد الذي تسبب في هذه الكارثة، مما يجعل هذا الغضب جزءًا لا يتجزأ من حالة الحراك السياسي، ومن الوعي بالأزمة التي تمر بها مصر.

 

وعلى نفس الصعيد، نجد المطالب الخاصة بالجماعات المهنية، مثل مطالب الصحفيين والقضاة، وهي تمثل جزءًا رئيسيًّا من حالة الحراك السياسي؛ لأنها تصب في عملية التحول الديمقراطي، والتي تعتمد على حرية الصحافة، كما تعتمد على استقلال القضاء.. وتلك القضايا التي تبدو خاصة تمثل في الواقع ثمارًا حقيقيةً لحالة الحراك السياسي، وتؤكد أن حالة الحراك تمثل دائرةً من الحركة التي تتسع كل يوم لتشمل مجالاتٍ جديدة.

 

وأمام هذه الحالة بكل جوانبها النابضة نجد النظام الحاكم يحاول استيعاب حالة الحراك ثم حصارها، ثم العودة مرة أخرى لحالة الاستبداد السياسي الكامل، والسابقة لحالة الحراك، وهنا نرى أن النظام يحاول مجاراة حالة الحراك السياسي، من خلال وضع برنامج لتعديل القوانين والدستور، وهو بهذا يسهم في الواقع في تزايد حالة الحراك السياسي، ويفتح الباب أمام مطالب أكبر للتغيير، ولكن الثابت من سلوك النظام أن كل التعديلات الجديدة تأتي في النهاية أسوأ مما سبقها.. نرى هذا في تعديل المادة 76 من الدستور، كما نجده متحققًا في تعديل قانون الأحزاب، كذلك في تعديل قانون السلطة القضائية.

 

فالنظام يتصور أن مجرد تعديل القوانين- أيًّا كان مضمون التعديل- يمثل استجابةً تمتص حالة الحراك السياسي والمطالب السياسية بالتغيير، ولكن واقع الأمر يؤكد أن تلك الطريقة في التعامل تؤدِّي إلى اتساع حالة المطالبة بالتغيير، كما تؤدِّي إلى تزايد حالة الإحباط لدى المطالبين بالتغيير، وفقد الأمل كاملاً في أن يكون النظام الحاكم راغبًا أو قادرًا على التغيير الإيجابي.

 

والواقع يؤكد أن النظام الحاكم يستغل حالة الحراك السياسي ليعدل القوانين حتى لا تسمحَ باستمرار حالة الحراك السياسي، وحتى تمنعَ حدوث تغيير، وتحدَّ من احتمالات استمرار الحراك السياسي في المستقبل.. أي أنَّ النظامَ يحاول أن يمرر تعديلات لا تستجيب لمطالبِ التغيير، بل تؤدِّي إلى حصار مطالب التغيير في نهاية الأمر، يُضاف لهذا محاولة النظام الحدَّ من حركات التغيير ومظاهره، والتي تتمثَّل في محاولة حصار الفئات المطالبة بالتغيير مثل القضاة والصحفيين، يُضاف لذلك تعمد الخشونة والعنف في التعامل مع المظاهرات، والتوسع في الاعتقالات من مختلف الحركات، والتركيز على ضربات الإجهاض لحركة الإخوان المسلمين، بوصفها القوى المعارضة الأولى، ثم العمل على تعديل الدستور ليمنح للنظام غطاءً قانونيًّا ودستوريًّا للاستبداد.

 

النظام بهذا يحاول العودة لما قبل حالة الحراك السياسي، بل ويريد منع حدوث تلك الحالة في المستقبل، ولكن الوعي بأهمية التغيير، والوعي بحالة الفساد والاستبداد الراهنة، والوعي بحالة التراجع المجتمعي الشامل... كلها حالات من الوعي لا يمكن تغييرها، ووعي الناس والقوى السياسية بحقهم في التغيير، والحصول على حقوقهم كاملة لا يمكن أن يعود للوراء؛ لذا فما يفعله النظام هو تصعيدٌ لموجة الغضب السياسي والجماهيري، تصعيد سيؤدي لاستمرار حالة الحراك، رغم تزايد الاستبداد.