بقلم: د. رفيق حبيب

في البداية نسأل لماذا دخلت حماس الانتخابات؟ والواضح أن قرارَ دخول الانتخابات ارتبط بأهمية تحديد موقع حماس في الشارع الفلسطيني، وتأكيد خيارها السياسي، فدخول الانتخابات كان ضروريًّا للتأكيدِ على وجودِ خيارٍ آخر، غيرِ خيار منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، أي خيار السلطة الفلسطينية، خيار أوسلو.

 

ودخول حركة حماس بكثافة في الانتخابات كان لتحديد وجودِها في الشارع، وحتى لا يُقالَ لها إنها تمثِّل أقليةً، لهذا كان الحضور المكثَّف في الانتخابات وسيلةً لتحديد حجم التواجد الشعبي لحركة حماس، وتحديد مدى جماهيرية خيارِها المقاوِم.

 

إذا كانت تلك هي أسبابَ الدخول فأسباب الخروج ستكون من نفس طبيعتها، وعلينا التأكيد أن استمرار حماس في الحكومة الفلسطينية هو الهدف الأول؛ لأنه ببساطة تأكيدٌ عمليٌّ على وجودِ خيارٍ آخر، غيرِ خيار حركة فتح والمنظمة، أي غير خيار السلام، الذي ثبت أنه خيارُ الاستسلام، وبهذا المعيار يمكننا معرفة إلى أي حدٍّ يجب أن تبقى حماس في الحكومة، ومتى تخرج!!

 

فبقاء حماس في المجلس التشريعي أو الحكومة الفلسطينية مرتبطٌ بقدرتها على تأكيدِ خيارها، وهذا الخيار مزدوج في الواقع، فهو خيار المقاومة أولاً، والذي يعني عدم التفريط في الحقوق الفلسطينية الأساسية، والعمل من خلال المقاومة للدفاع عن هذه الحقوق، وخيار المقاومة يعني أيضًا وجودَ بدائلَ على أرض الواقع، غير تلك البدائلِ التي يعرضها الكيان الصهيوني ومن خلفه الدول الغربية، خاصةً الإدارة الأمريكية.

 

فالمعروض هو أقل من دولة فلسطينية كاملة السيادة على كلِّ الأرض المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس، مع حقِّ العودة للاجئين إلى الأراضي المحتلة عام 1948، ومنهج المقاومة يؤكد أن حلَّ الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 قد يكون حلاًّ مرحليًّا، فنهج المقاومة يؤكد إمكانية قيام دولة واحدة على مجمل أراضي فلسطين التاريخية.

 

وخيار حماس أيضًا هو الخيار الحضاري الإسلامي، فهي لا تقدم فقط نهج المقاومة، بل تقدِّم أيضًا نهجًا سياسيًّا مختلفًا عن الفصائل الأخرى، والمشروع الحضاري الذي تحمله حركة حماس- وهو مشروع جماعة الإخوان المسلمين في الدول العربية وغيرها من الدول- هو مشروعٌ يقوم أساسًا على المرجعية الحضارية والدينية للأمة، ويقوم على الخصوصية الحضارية، ونهضة الحضارة العربية والإسلامية، وذلك المشروع يميزها، ليس فقط عن الحركات التي اختارت نهج التسوية، بل أيضًا عن بعض الحركات التي اختارت نهج المقاومة.

 

لذا فازت حماس في الانتخابات، لتؤكدَ لنا أن خيارَ المقاومة وخيارَ المشروع الحضاري الإسلامي هما خيارًا الجماهير، وأن الجماهير تريد هذين الخيارين ليكونا موجهين لها، وتلك في الواقع أهم دلالات فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، ومن تلك الدلالات المركزية يكون الحكم على قرار دخولها الانتخابات، وعلى قرار خروجها من الحكومة أو حتى من المجلس التشريعي، فإذا بدأنا بقرار الدخول، نرى أن التوقيت كان مناسبًا؛ فالقضية الفلسطينية تتحرَّك نحو الحلِّ الصهيوني، وقيادات السلطة الفلسطينية وحركة فتح باتت على مقربةٍ من التنازلات الكبرى، وما حدث في الانتخابات التشريعية من فوز لحركة حماس أعاد توجيه القضية الفلسطينية مرة أخرى إلى الوجهة الصحيحة، وأصبحنا نناقش من جديد جدوى الاعتراف بالكيان الصهيوني.

 

ومع ما أثبتته الانتخابات من شعبية خيار حركة حماس أصبحنا الآن أمام مرحلةٍ لإعادة ترتيب الأوراق مرة أخرى، وتحديد اتجاه القضية الفلسطينية، ولهذا يصبح خروج حماس أو بقاؤها رهنًا بما يمكن أن يضيفَه ذلك من تأكيدٍ على خيارِ المقاومة والمشروع الحضاري، وعليه يمكن تقييم التحديات التي تواجه الحركةَ من خلال مدى ما تحققه لمصلحة المشروع الحضاري الإسلامي.

 

فإذا أخذنا مثلاً الحصارَ المالي على الحركة سنجد أن هذا الحصار رغم ضراوته واشتراك كلِّ الأطراف الغربية والعربية بما فيها رئاسة السلطة الفلسطينية وحركة فتح فيه، إلا أن الصمودَ والتحدي الموجود في الشارع الفلسطيني ومحاولات حماس لاختراق هذا الحصار، ثم ما يحدث من تراجعٍ نسبي في شدة الحصار سواء من الدول الغربية أو الكيان الصهيوني، كل هذا يؤكد أن معركةَ الحصار المالي هي لصالح مشروع حركة حماس؛ لأنها تؤكد إمكانيةَ الوصول إلى بديل غير الخضوع للشروط الغربية، أمريكية كانت أم أوروبية أم صهيونية.

 

أما معركة الاعتراف بالكيان الصهيوني وقدرة حماس على الصمود وعدم التنازل عن الحقوق النهائية والتاريخية لشعب فلسطين فهي جزءٌ لا يتجزَّأ من تأكيد مشروع حماس النضالي والحضاري، وبالتالي يصبح استمرار هذه المعركة، وقدرة حماس على تأكيد أنها قادرةٌ على الوصول إلى بدائلَ عمليةٍ مناسبة تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني تأكيدًا لمشروع حركة حماس.