لم يعُد يخفى أن القضية الفلسطينية لم تعُد تتعلق بالتسوية بين الصهاينة والفلسطينيين، وإنما تتعلق في الواقع بمشروع صهيوني يهدف في المقام الأول إلى "تنظيف" فلسطين من الفلسطينيين أو ما يطلق عليه التطهير العرقي (Ethnic cleansing)؛ حتى يستطيع الكيان الصهيوني أن يحصل على كل فلسطين بعد التخلص من سكانها.

 

هذا الهدف يمكن أن نستدلَّ عليه من قرينتين واضحتين: الأولى تصريحات المسئولين الصهاينة ومذكرات السياسيين- وخاصةً مذكرات شارون- التي لا تُخفي هذا الهدف، وأما القرينة الثانية فهي سلوك الكيان منذ قيامه، وهو التعامل مع الفلسطينيين على أنهم عرقٌ لا يستحق البقاء، وأنهم محتلون لهذه الأرض، والأدلة على ذلك يضيق بها المقام.

 

لذلك يجب أن يفيق العالم العربي من أوهام السلام مع العدو؛ لأنه لا يمكن أن يقوم السلام بين الضحية والجزَّار, كما أن الكتابات العربية قد تحدثت طويلاً عما أسمته الإرهاب الصهيوني الذي مارسه الكيان الصهيوني من خلال سلسلة طويلة من المجازر التي تهدف إلى طرد السكان من أراضيهم أو دفنهم في هذه الأراضي؛ لكي تصبح ملكًا خاصًّا لـ(إسرائيل)، ولذلك يجب أن يكفَّ العالم العربي عن الحديث عن "الإرهاب" الإسرائيلي وأن يسمي هذا الإرهاب باسمه الحقيقي, فهو أداةٌ لتنفيذ أعمال الإبادة ولا يمكن أن تتم الإبادة إلا بهذه الأعمال الإجرامية التي تفتقر حتى إلى الجانب الإنساني في الإبادة.

 

 

 الشهيد "أحمد ياسين" شيخ قعيد أيقظ الأمة

وللذين يَشكُّون في أن الإبادة هي الهدف الأساسي للصهاينة عليهم أن يتدبَّروا معنى استخدام إسرائيل للصواريخ والطائرات الأمريكية في قتل الفلسطينيين، وفي هذه النقطة يقع الإعلام العربي في خطأٍ فادحٍ عندما يردد نقدَه لإسرائيل لأنها تقتل المدنيين الأبرياء، وكأن العالم العربي يسلم بأن أعضاء المقاومة الفلسطينية ليسوا مدنيين وليسوا أبرياء, ولذلك فعندما تغتال أيدي الصهاينة رموزَ المقاومة الميدانية فإن الإعلام والحكومات لا تُدين هذه الأعمال وكأنها من حقوق الكيان الصهيوني، ولكن العالم العربي كان في البداية يُدين اغتيالَ هذه الكوادر السياسية في فلسطين وهو لا يدرك أن الصهاينة يعملون وفق برنامج مخطط وهو استهداف الجميع بالقسوة التي تكشف عن جدية الهدف الصهيوني, وإلا كيف نفسِّر قتل جنود الاحتلال لتلاميذ المدارس الفلسطينية بدماء باردة؟ وكيف نفسر منع إسعاف المواطنين وتركهم عمدًا ينزفون حتى الموت؟ بل كيف نفسر أن مجلس وزراء الكيان الصهيوني يَعدُّ خطةً مُحكمةً ويُصدر قرارًا سياسيًّا باغتيال الشيخ أحمد ياسين؟!

 

وعند هذه النقطة يجب أن ننبِّه المؤرخين إلى أن مجرد اغتيال الشيخ أحمد ياسين قد يوضح الحقيقة التي نتحدث عنها وهي الإبادة الفلسطينية, وإلا كيف نفسر إطلاقَ طائرةٍ صاروخًا على شيخٍ مسنٍّ ومعوَّق، يسير على كرسي متحرك بسبب شلله وبمساعدة كاملة من مساعديه عند خروجه من المسجد بعد صلاة الفجر!! إذا كان الهدف هو اغتيال الشيخ أحمد ياسين,

 

هو ليس له أي دور في عمليات المقاومة سوى أنه يبُثُّ من كرسيه المتحرك روحَ المقاومة ورمز الصمود للشعب الفلسطيني ضد غاصبيه, فإن هذا الاغتيال يمكن أن يتم بأبسط الطرق, وليس بهذه الطريقة التي تتعمَّد القول بأن "إسرائيل" تُبيد الروحَ المقاوِمة ورمزَ العِرق الفلسطيني.

 

من الواضح أيضًا أن الكيان الصهيوني يستتر بمشروعات التسوية وخلط الأوراق، ويظن أن الشعوب العربية غافلة، فلا تجد حرجًا في أن تتحدث في وقت واحد عن خطة أولمرت التي تجسِّد أخطر مراحل المشروع الصهيوني, كما تتحدث عن خريطة الطريق وتريد للعالم العربي أن يفهم أن المشروع الصهيوني والدولي متناغمان، حسبما تزعم خطة أولمرت المعدَّلة.

 

ولكن الحقيقة هي أن خطة أولمرت تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، على أساس أن القضية الفلسطينية تعني الإبقاء على الأرض والتأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني, بينما