بقلم: أحمد بهجت*
قد يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر في ظروفٍ حسنةٍ، فتنطلق كلماته طيبةَ الأثر، حميدةَ العقبى، لا يقع بها في حرجٍ، ولا يناله منها ضررٌ، فهل كل الظروف كذلك؟!
هناك من يَكره الحق, ويضيق بسماعه, ويكاد يبطش بقائله.
هناك قومٌ جاءتهم رسلهم بالبينات فردُّوا أيديَهم في أفواههم, وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به, وإنا لفي شكٍّ مما تدعوننا إليه مريب..
ماذا يفعل المرء في هذه الأحوال؟! هذا هو السؤال الذي يطرحه الشيخ محمد الغزالي في كتابه الأخير.
إنه يرى أن السكوت جريمة, وأن خدمة الحق لا بد منها مهما كانت النتائج, وما بقيت رسالاتُ الأنبياء في الدنيا إلا لعشَّاق الحقيقة من أتباعها.
ندمًا اعترض بنو إسرائيل عيسى عليه السلام، وكفروا بما جاء به، صاح: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد بأنا مسلمون.
وبهذا الإيمان وبتلك الشهادة انتصرت رسالةُ عيسى, كذلك انتصرت من بعده رسالة محمد عليهما الصلاة والسلام.
إن الحق لا بد له من رجال يشرحون دعوتَه، ويبسطون أدلته ويدافعون عنه ويتحملون في سبيله الأذى والمتاعب؛ ولذلك قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
يقص الشيخ الغزالي محنةً مرت به فيقول: ألَّفت كتابي (الإسلام في وجه الزحف الأحمر) خلال أيام عصيبة, كان فيها صوت الشيوعية عاليًا, وكان السلطان معها, وكان التجهُّم لها خرابًا للبيت وطريقًا إلى السجن, ونظرتُ في صحائف الكتاب في يدي قبل أن أدفَعَ به إلى مطبعة بعيدة، وقلت: ربما كان موتي في هذا الكتاب, ولكن نفسي قالت لي: بئست الحياة أن تبقى بعد أن يموت دينك، فمضيت في طبع الكتاب ولْيكن ما يكون.. وشاء الله أن يخرج الكتاب بعد ذلك فينطبق عليه قول الحق ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِيْنَ آمَنُوْا﴾ (الحج: من الآية 38).
إن تاريخ الحياة هو تاريخ التضحيات البشرية التي يقوم بها أفرادٌ من معدنٍ خاصٍّ.. رحم الله الشيخ محمد الغزالي.
------------
* نقلاً عن جريدة (الأهرام) بتاريخ 18/6/2006م