بقلم: يونس الزلاوي*

يعتبر الاقتصاد من أهم دعائم وأسس بناء المجتمع واستقراره، وفي تدنيه مدعاة إلى الانحراف، ولهذا كان الحبيب يستعيذ من الفقر، فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر" وأيضًا قال: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أَظلم أو أُظلم".

 

ومما لا شك فيه أن مساوئ الأخلاق لها أثرٌ كبيرٌ في هدم البناء الاقتصادي، خصوصًا إذا كانت هناك أسبابٌ تدعو إلى هذا الهدم، ومن نظر إلى بلدنا الحبيب لا يشك أنه يحمل كل مقومات البناء الاقتصادي الجيد وعنده العديد من الموارد التي بإمكانها أن تحافظ عليه من كل الانحرافات التي تعصف به.

 

ولكن عندما لا يكون هناك توظيفٌ صحيحٌ والفساد مستشرٍ في كل منحى من مناحي الحياة لا يكون هناك نموٌّ اقتصاديٌّ، ولو كان هناك مال قارون، ولذلك من أسباب هدم الاقتصاد أو قُل من معاول هدم الاقتصاد:

 

1- ضعف الدخل

يعاني الكثير من الموظفين في الدوائر الحكومية من التدني الملحوظ في الرواتب، والتي لا تناسب مواكبة الحياة، وكذلك تأخيرها عن مواعيدها بالأشهر ذوات العدد؛ مما يؤثر على حياة الفرد ومعيشته، فيجعله لقمةً سائغةً لشيطان يعبث بها كيفما شاء، فترى الأخلاق السيئة، من السرقة والكذب وعدم الأمانة وعدم المسئولية وضياع الأوقات، وقد يؤدي الأمر إلى أسوأ من ذلك، فتحصل الانحرافات الأخرى، مثل المخدرات، وشرب الخمر والزنا، وغير ذلك من الانحرافات التي سببها قلة الدخل وعدم القدرة على الوفاء بمتطلبات الحياة، الناتج من ضعف الراتب، الذي لا يناسب نوع المهنة التي يؤديها العامل أو الموظف.

 

2- الرشوة

 الصورة غير متاحة
هذا المرض العظيم الذي يحطم كل شرايين الاقتصاد ويقضي عليها تمامًا، ولقد حرَّم الله تعالى أكل الأموال بالباطل، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيْقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188).

 

وعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي" ولا تقف الرشوة عند الحصول على مال أو منفعة، وإنما تتعدى ذلك إلى الحصول على المركز أو العمل الذي يمكَّن به فرد وهو لا يستحقه، وفي إشغال الوظائف بمَن ليس جديرًا بها، وفي إهدار الوقت والطاقات والكفاءات، وإضعاف الإنتاج بما ينعكس على اقتصاد الأمة، وإسناد الأمور إلى غير أهلها، وربما أضاعت الرشوة حقوق الأمة واقتصادها بتبديد أموالها، فكم من المرتشين الذين أنيط بهم مسئوليات وظيفية إدارية أو مالية يبددون مشاريع الأمة مقابل أموال، وربما وزعت أدوية أو مطعومات منتهية الصلاحية بين أفراد المجتمع فأهلكتهم مقابل رشوة مالية، وكبَّدت الدولة خسائر في الأموال والأنفس!!

 

3- إضاعة المال في غير محله

وهذا الأمر يسري على الدولة قبل الأفراد فإن ما نراه ونسمع عنه من إهدار الأموال في بلدنا الحبيب بدون حسيب ولا رقيب، ما تشيب منه رؤوس الولدان، فهذا إن دل إنما يدل على السفه الحقيقي في عدم المحافظة، والإسراف، والفساد، وقديما قالوا: السفه: التبذير للأموال في لذة وشهوة حلال، فالذي يبذر أمواله في لذة وشهوة حلال يُسمَّى عندهم سفيهًا، فكيف به إذا كان يبذرها في غير ذلك ماذا يسمونه، حقيقةً لا أدري، فكثير من أموال الفاسدين أخلاقيًّا تصرف وتبذل في المحرمات والمخدرات ونشر الفساد بين الناس، ومما لا شك فيه أن في ذلك خطرًا عظيمًا على المجتمع والدولة من الناحية الاقتصادية.