نشرت جريدة (القدس العربي) في عددها الصادر الأربعاء 14/6/2006 مقالاً للأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير (القدس العربي)، والمقال يعرض للأزمة الفلسطينية الراهنة، ورغم ما يحمله من آراء قد يعتبرها البعض ضد حركة حماس.. إلا أننا رأينا من الضرورة إعادة نشر المقال؛ لما يحويه من رؤية تستحق الإشادة.

 

ما يجري حاليًا في المناطق الفلسطينية المحتلة مؤلمٌ ومخجل في الوقت نفسه، مؤلمٌ لأن الشهداء يتساقطون في المجازر الإسرائيلية اليومية، ومخجلٌ لأن وتيرة الحرب الأهلية تتصاعد يومًا بعد يوم بين فصيلَي فتح وحماس، في ظل تصارع على سلطة وهمية، تغذيه الدولة العبرية، وتصبُّ الزيت على ناره الولايات المتحدة وبعض الأنظمة العربية المتآمرة معها.

 

ففي الوقت الذي تقصف فيه الصواريخ الإسرائيلية تجمعًا سكنيًّا في قطاع غزة وتقتل أحد عشر شخصًا بعد أقل من ثلاثة أيام من مجزرة الشاطئ يُقدِم بعض الفلسطينيين- المحسوبون على حركة فتح- على إحراق مجلس الوزراء والمجلس التشريعي وبعض مقارّ حركة حماس في جنين وطولكرم وغيرهما، وتبادر مجموعةٌ من حركة حماس إلى إطلاق صواريخ على مقر الأمن الوقائي في قطاع غزة.

 

هذه الصواريخ التي انطلقت لقصف مقر الأمن الوقائي- مع اختلافنا معه وقيادته وإدانتنا للكثير من ممارسات عناصره- تم شراؤها بأموال تبرَّع بها أبناء الشعب الفلسطيني من أجل أن تتوجه إلى المستوطنات الإسرائيلية وليس إلى مؤسسة أمنية فلسطينية.

 

المجلس التشريعي الفلسطيني ومقر رئاسة مجلس الوزراء في رام الله هما من المباني الفلسطينية التي ترتفع على صواريها أعلام فلسطينية وليس نجمة داوود، ولا يوجد فيها مستوطنون ولا مستعربون، وهي تجسِّد رمز الديمقراطية التي طالما تفاخرت حركة فتح وقيادتها باحترام نتائجها وإجراء انتخاباتها، في ظل أجواء غير مسبوقة من النزاهة والشفافية.

 

إنها ممارسات مؤسفة تحطُّ من قدر الإنسان الفلسطيني، وتثبِّط عزيمته، وتجعله يشعر بالخجل والدونية، فمِن غير المنطقي أن يُقدِم مَن ينتمي إلى حركات مقاومة قدمت مئاتِ بل آلافَ الشهداء على توجيه البنادق إلى الصدور الفلسطينية جنبًا إلى جنب مع البنادق والصواريخ الإسرائيلية.

 

نفهم أن الفصائل تتنافس فيما بينها على السلطة، ولكن بعد تحرير الأرض وطرد المحتل، أما ما يحدث حاليًا- والمحتل ما زال يَقتل ويدمر ويرتكب المجازر وجرائم الحرب- فأمرٌ يستعصي على الفهم ويخالف كلَّ قواعد المنطق.

 

الشعب الفلسطيني بات ضحية أناس متهالكين على المناصب والمكاسب الذاتية والشخصية، ونسوا أن شعبهم محتل، محاصَر، ومجوَّع، ويواجه الموت يوميًّا.

 

نرفض أن نقف موقف المتفرِّج، ونردد العبارات التقليدية حول تقديم المصالح الوطنية على المصالح الحزبية والفصائلية، أو التذكير بأن الدم الفلسطيني خطٌّ أحمر، مثلما نرفض أن ننحاز إلى هذا الطرف ضد ذاك، فهؤلاء جميعًا إخوتنا وأهلنا.

 

الاستنكار لم يعُد يفيد وكذلك كلمات الإدانة!! فالشعب الفلسطيني ينزلق بسرعة نحو كارثة دموية عمل على تجنبها على مدى الثلاثين عامًا الماضية، ويبدو أن خطة إسرائيل في تفجير الحرب الأهلية بدأت تعطي ثمارها.

 

 الصورة غير متاحة

 الرئيس محمود عباس

نحن نحمِّل الرئيس محمود عباس والفئة القليلة الملتفة حوله- وليس حركة فتح- مسئوليةَ هذا التطور الخطير في الأوضاع؛ لأنه يرفض أن يسلم بالهزيمة في الانتخابات، بضغطٍ من الولايات المتحدة وإسرائيل وأنظمة عربية تقف في الخط المعادي للخط الوطني، وتقبض الثمن مقدمًا.. مساعداتٍ وفوائدَ مالية عائلية!!