يحتل التنظيم مكانةً مهمةً لدى جماعة الإخوان المسلمين، فهي كأيِّ حركة اجتماعية أو سياسية، ترتكز أساسًا على عضويتها، ثم على المناصرين لها من غير الأعضاء.
وحركة الإخوان المسلمين تعتمد في تأثيرها بين الناس على نشاط أعضائها، ومن خلال التفاعل اليومي المستمر مع الجماهير تتكون للجماعة قاعدةٌ من المناصرين.
وتركيز الجماعة على العضوية يجعلها تهتم بضمِّ الأعضاء الجدد، ونظرًا لما تعانيه من حصار أمني تكون شروط العضوية محددةً بصورةٍ جيدة؛ لتمنعَ اختراقَ الجماعة، كما حدث مع غيرها من الجماعات، ولكنَّ الجماعة تركز أيضًا على التنظيم الجيد، أو ما يُسمَّى أحيانًا بدقة التنظيم.
والتنظيم الجيد يسمح للجماعة بالحركةِ المنظمة، بصورة تكسبها قدرًا واضحًا من التأثير، وقد تجلَّى ذلك في الانتخابات البرلمانية على وجه الخصوص؛ حيث تحركت الجماعة بصورة جيدة في العمل التنظيمي للدعاية لمرشحيها، كما ظهر دور التنظيم الدقيق في المظاهرات.
وفي المواقف السياسية المختلفة تظهر قدرة الجماعة على الحشد، وهو نتاجٌ للتنظيم الجيد، كما تظهر قدرتها على توحيدِ مواقف أعضائها، مما يشكل منها كتلةً سياسيةً ذات توجُّهٍ واحد ومنظم.
وكل تلك الجوانب تُضاف للرصيد الحركي للجماعة، وتساعد على تنشيط أثرها بين الناس، رغم كل ما تواجهه من حصار أمني صارم، ولعل قوة التنظيم لدى الجماعة تمثَّل في الواقع الحركي، السلاح الحقيقي للجماعة، لدفع رؤيتها في التغيير والإصلاح، حتى يصحَّ القول بأن التنظيمَ الجيد، وحجم العضوية، هما (أدوات الجماعة) في التأثير السياسي والدعوي، وفي مواجهة الحصار الأمني.
ولعلَّ قوة تنظيم الإخوان المسلمين هي السبب الرئيس الذي يمنع الأمنَ من التفكير في ضربِ الجماعة ومحاولة سحقها، حيث يؤدِّي التنظيم لإمكانية التصعيد من قِبَل الجماعة، وقدرتها على التظاهر أو حتى العصيان المدني.. كل هذا يجعلنا نفهم لماذا تهتم الجماعة بالتنظيم، لدرجة تجعل البعض يتهمها بأنها تُعطي أولويةً لمصلحة التنظيم على مصلحة الأمة، ولكنَّ الحقيقةَ أن التنظيم بالنسبة للجماعة هو الوسيلة الأساسية للقيام برسالتها، وهي تحافظ على التنظيم من أجل استمرار رسالتها، وتصبح حمايتها للتنظيم بغرض حماية الرسالة، أي حماية دورها تجاه الأمة.
ولكنَّ الأمرَ يصبح أكثرَ تعقيدًا في العديد من المواقف التي تمرُّ بها الجماعة، وتمرُّ بها الأمة. ففي لحظات الحراك السياسي- كما حدث في مصر منذ عام 2005- يحتاج الأمر أحيانًا لقدرٍ من التصعيد والضغط السياسي في مواجهة الحاكم.
والواقع يؤكد أن الجماعةَ قادرةٌ على إشاعة حالةِ الرفضِ والضغطِ على النظام شعبيًّا، ولكنها لا تستطيع القيام بالعصيان المدني الشامل.
وعند تلك النقطة نتساءل عن الأولوية مرة أخرى، فهل من مصلحة الأمة أن تغامرَ الجماعة من أجل فرض التغيير، حتى وإن كانت النتيجة غير مضمونة؟ وهل يوجد في التغيير السياسي نتائجُ مضمونة؟ وتلك في تصورنا المشكلة الأساسية التي تواجهها جماعة الإخوان المسلمين، وتجعل من حساباتها السياسية أمرًا شديدَ التعقيد، والواقع يجعلنا نرى مع الجماعةِ خطورة التضحية بالتنظيم، حيث إن الجماعة تمثِّل القوى السياسية المعارضة القادرة على الوقوف في وجه النظام والقادرة على منافسته في الانتخابات، فإذا أعطت للنظام مبررًا لسحقها ستكون الأمة هي الخاسرة.
ولكنَّ الأمةَ تخسر أيضًا إذا لم تستطع الجماعة القيامَ بواجبها تجاه الأمة وتجاه الجماهير التي تؤيد الجماعة.
والمعيار المهم في تصورنا هو قدر التأثير والتغيير، فكلما استمرَّت الجماعة في التأثير على الوضع القائم زاد توظيف التنظيم لصالح الأمة، وإذا توقفت قدرتها على التأثير كان عليها رفع مستوى المخاطرة؛ حتى يستمرَّ تأثيرها في اتجاه تغيير الوضع القائم، ويصبح التأثير المستمر والتغيير المتدرج هما معيار التوظيف الجيد للتنظيم.