قراءة المشهد الفلسطيني تؤدي بوضوح إلى كارثة محققة، أول مصادر الخطر هو الصراع بين فتح وحماس، وانضمام فتح للجبهة العريضة داخليَّا ودوليًّا التي تناهض حماس وتعمل على إسقاطها، وهذا الموقف يهدِّد بحرب أهلية حقيقية، غير أن الخطرَ الآخر هو خطة أولمرت التي أقرَّتها واشنطن خلال أول زيارة يقوم بها الزعيم الصهيوني لواشنطن، حيث لقي حفاوةً بالغةً، خاصةً في الكونجرس والذي حيَّاه الأعضاء في المجلسين أكثر من 18 مرةً وقوفًا وتصفيقًا، كما يحدث في الدول النامية.

 

 إيهود أولمرت خلال لقائه بالرئيس الأمريكي

 

وهذا أكبر استفتاء على زعامته وخلافته لشارون وعلى خطته التي تقضي بضم المنطقة الفاصلة بين الجدار العازل و"إسرائيل" واستكمال الجدار العازل، وتجميع مستوطنات الضفة الغربية وضمها "لإسرائيل" أيضًا، وضم القدس شرقًا وغربًا بعد استكمال مخطط تهويدها وضم بقية المناطق بين الضفة والأردن ومعالجة قضية العرب داخل "إسرائيل"، وقد أطمأن أولمرت إلى اقتناع بوش بأن إسرائيل تريد أن تكون دولةً يهوديةً خالصة، وهو موقفٌ سبق لبوش أن وافقَ عليه في قمةِ العقبة عام 2003م التي جمعته بأبو مازن حين كان رئيسًا للوزراء، وشارون الذي حدَّد أمام القمة نفس الخطة التي خاض من أجلها صراعًا سياسيًّا حادًّا لإقناع القوى السياسية في إسرائيل بها.

 

ومن الواضح أن الدبلوماسية الأمريكية بعد زيارة أولمرت سوف تركِّز على عملية سلام جديدة أساسها خطة أولمرت.. معنى ذلك أن سياسةَ "إسرائيل" هي أساس التسوية المنفردة، وتقوم على أساس استهداف كل رموز الانتفاضة التي توَّلت إسرائيل القضاء عليها قضاء مبرمًا بالسيطرةِ على مختلف الطرق المؤدِّية إليها، ثم قامت بقتلٍ منظَّم لكل مَن شارك فيها، فضلاً عن تضييق الخناق والحياة على الشعب الفلسطيني عقابًا له على اختيار حماس في السلطة، ومعنى ما تقدَّم أن الشعبَ الفلسطيني الذي يعاني الحصار الدولي الخانق سوف يعاني أيضًا الحرب الأهلية، وهو يشهد انعدام الأمن، وانعدام الأمل في استرداد حقوقه السياسية.

 

 محمود عباس

 

ولمواجهة هذين الخطرين يجري الحوار الوطني الفلسطيني الذي تدخله كل الأطراف للدفاع عن أجندتها، والظاهر أن أبو مازن الذي يُعقد الحوارُ تحت رعايته يسعى لمنع الحرب الأهلية، لكنه يسعى أيضًا لكي تحل فتح محل حماس ويتجه إلى توجيه الحوار إلى هذا الاتجاه، فإذا كان الصراع على السلطة في فلسطين بين فتح وحماس، وكلاهما يجد لنفسه حقًّا مشروعًا في السلطة، بصرف النظر عمن هو جديرٌ بها بعد أن قالَ الشعب الفلسطيني كلمته في الانتخابات التشريعية في 25 يناير 2006، فإن الشعب الفلسطيني هالك لا محالة بسبب زعاماته التي تجعل سياسة الإبادة الإسرائيلية أمرًا ممكنًا وميسورًا.

 

في ضوء هذا المشهد المؤلم يتعثَّر الحوار الوطني بسبب استخدامه في الصراع، بدلاً من الاستفادة من هذا الحوار لتصفية الخلافات، ما دام رفض الآخر هو القضية، فأصبح العدو لحماس هو فتح، كما نظرت فتح إلى حماس على أنها هي التي تسلَّلت واستلبت السلطة، وفي هذا الجو الملبد بالخطر ظهرت دعوات لإحياء منظمة التحرير الفلسطينية، ويدور حوار شامل على الساحة الفلسطينية توصل إلى نقطة البداية، وهي أهمية وجود منظمة التحرير الفلسطينية كإطار أوسع.

 

مرةً أخرى ترى حماس في هذه الدعوة جزءًا من الحرب عليها؛ لأن فتح هي تقريبًا منظمة التحرير، ولأن رئيس السلطة هو نفس رئيس المنظمة، وبينما تتجه فتح إلى إحياء المنظمة القديمة مع تحديث بنائها وتجديد شبابها ترى حماس إعادة بناء المنظمة أو إنشا