إن الإصلاح وظيفة إنسانية أصيلة، لا تنفك عن الإنسان ولا ينفصل عنها، مرتبطة بتكليفه الحياتي في الأرض، فبقدر الإنسانية يكون الإصلاح، وبقدر تقلُّصها في النفوس يكون الفساد، فلا إصلاحَ إلا بالإيمان، إن الإصلاحَ صفةٌ أصيلةٌ في المنتسبين إلى الله تعالى، الذين يحملون لواء دعوته في كل زمان ومكان، وليست فعلاً مؤقتًا مرتبطًا بظروف خاصة أو ردًّا لفعل الآخرين، والحديث عن الإصلاح يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد، ولكن حسبُنا أن نشير هنا إلى بعض النقاط المهمة في قضية الإصلاح:

 

أولاً: مفهوم الإصلاح

الإصلاح نقيض الإفساد، والعمل الصالح دعوة إلهية، قال تعالى: ﴿ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحًا وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33)، والعمل الصالح ضرورةٌ حتميةٌ لسعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97)، ولقد كانت رسالات الله دعواتٍ إصلاحيةً، والله يخبر عن نبيه شعيب- عليه السلام- وهو يشرح لقومه حقيقةَ رسالتِه الإصلاحية بقوله: ﴿إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ومَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: من الآية 88)، والإصلاح في مسماه الشرعي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).

 

ثانيًا: منهج الإصلاح

يحدد الإمام الشهيد- رحمه الله- علاقة الإخوان بالإصلاح فيقول: "كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتُهم كلَّ نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثَّلت فيها كلُّ عناصر غيرها من الفكر الإصلاحي، وأصبح كلُّ مصلح غيور يجد فيها أمنيتَه، والتقت عندها آمالُ محبِّي الإصلاح، الذين عرفوا وفهموا مراميَها" (الإخوان المسلمون والحكم).

 

ويحدد الإمام البنا- رحمه الله- منهج الإصلاح، فيقول: "أنت إذا راجعت تاريخ النهضات في الأمم المختلفة، شرقيةً وغربيةً.. قديمًا وحديثًا، رأيت أن القائمين بكل نهضة موفَّقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاجٌ محدودٌ عليه يعملون، وهدفٌ محدودٌ إليه يقصدون، وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه ما امتدَّ بهم الأجل وأمكنهم العمل، حتى إذا حِيل بينهم وبينه وانتهت بهم تلك الفترةُ القصيرةُ- فترةُ الحياة في هذه الدنيا- خلفهم من قومهم غيرُهم، يعملون على منهاجهم، ويبدأون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينًا، أو مكنوا نتائجه تمكينًا، وإما تبعوهم على آثارهم فزادوا البناء طبقةً وساروا بالأمة شوطًا على الغاية؛ حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، أو ينصرفون راشدين ويخلفهم غيرهم، وهكذا دواليك.

 

إن للإخوان المسلمين منهاجًا محدودًا، يتابعون السير عليه، ويزنون أنفسهم بميزانه، ويعرفون بين الفينة والفينة أين هم منه، فإذا سألتهم عن أصول هذا المناهج النظرية ما هي؟ فإني أجيبك في صراحةٍ تامةٍ: هي الأصول والقواعد التي جاء بها القرآن الكريم، فإذا قلت: وما هي وسائلهم وخطواتهم العملية؟ أقول لك في صراحة كذلك: هي الوسائل والخطوات التي أُثرت عن الرسول العظيم- صلى الله عليه وسلم- ولا يصلح آخر الأمة إلا بما صلح أولها" (هل نحن قوم عمليون؟).

 

وخلاصة ذلك أن منهاج الإخوان المسلمين في الإصلاح يستمد أصولَه وقواعدَه من القرآن الكريم، ووسائله وخطواته هي كل ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثًا: مقومات الإصلاح

يحدد الإمام البنا- رحمه الله- مقومات الإصلاح فيقول: "ولكن الأمم المجاهدة التي تواجه نهضةً جديدةً وتجتاز دور انتقال خطير، وتريد أن تبني حياتها المستقبلة على أساس متين يضمن للجيل الناشئ الرفاهة والهناءة، وتطالب بحقٍّ مسلوبٍ وعزٍّ مغصوبٍ.. في حاجةٍ إلى بناءٍ آخر غيرَ هذه الأبنية.. إنها في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة؛ حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات، ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب.

 

كذلك شاءت لنا ظروفنا أن نواجه كل ذلك، وأن نعمل على إنقاذ الأمة من الخطر المحدَق بها من كل ناحية.. إن الأمة التي تحيط بها ظروفٌ كظروفنا، وتنهض لمهمةٍ كمهمتنا، وتواجه واجباتٍ كتلك التي نواجهها.. لا ينفعها أن تتسلَّى بالمسكِّنات أو تتعلل بالآمال والأماني، وإنما عليها أن تُعدَّ نفسَها لكفاحٍ طويلٍ عنيفٍ وصراعٍ قويٍّ شديدٍ بين الحق والباطل بين النافع والضارّ، وبين صاحب الحق وغاصبه، وسالك الطريق وناكبه، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيّفين، وإن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد، والجهد هو التعب والعناء، وليس مع الجهاد راحة، حتى يضع النضال أوزاره، وعند الصباح يحمد القوم السرى، وليس للأمة عدةٌ في هذه السبيل الموحِشَة إلا النفس المؤمنة والعزيمة القوية الصادقة، والسخاء بالتضحيات والإقدام عند الملمَّات، وبغير ذلك تُغلَب على أمرها ويكون الفشل حليفَ أبنائها" (هل نحن قوم عمليون؟).

 

ونستخلص من ذلك أن مقومات الإصلاح هي:

1- بناء النفوس وتشيد الأخلاق وتكوين الرجال.

2- إعداد الأمة لكفاح طويل عنيف وصراع قوي بين الحق والباطل.

3- تربية الشعوب على الجهاد والسخاء بالتضحيات.

4- إعداد النفوس المؤمنة والعزائم الصادقة القادرة على قيادة الأمة نحو الإصلاح.

 

رابعًا: واجبات الإصلاح

إن الإصلاح الشامل مطلبٌ وطنيٌّ وقوميٌّ وإسلاميٌّ، وإن الشعوب هي المعنية أساسًا بتحقيق الإصلاح الذي يهدف إلى إنجاز آمالها، في حياة حرة كريمة، ونهضة شاملة، وحرية وعدل ومساواة وشورى، ويحدد الإمام البنا- رحمه الله- هذه الواجبات فيقول: "من الجهاد في الإسلام- أيها الحبيب- عاطفة حية قوية تفيض حنانًا إلى عزِّ الاسلام ومجده، وتهفو شوقًا إلى سلطانه وقوته، وتبكي حزنًا على ما وصل إليه المسلمون من ضعفٍ، وما وقعوا فيه من مهانة.

 

ومن الجهاد في سبيل الله- أيها الحبيب- أن يحملك هذا الهم الدائم والجَوَى اللاحق على التفكير الجدّي في طريق النجاة، وتلمُّس سبيل الخلاص، وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحّص بها سبيل العمل، وتتلمَّس فيها أوجه الحيل، لعلك تجد لأمتك منفذًا أو تصادف منقذًا.
ومن الجهاد في سبيل الله- أيها الحبيب- أن تنـزل عن بعض وقتك وبعض مالك وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام وبني الإسلام، فإن كنت قائدًا ففي مطالب القيادة تنفق، وإن كنت تابعًا ففي مساعدة الداعين تفعل، وفي كلٍّ خير ﴿وكُلاًّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى﴾ (النساء: من الآية 95).

 

ومن الجهاد في سبيل الله- أيها الحبيب- أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، وأن تنصح لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

ومن الجهاد في سبيل الله- أيها الحبيب- أن تتنكَّر لمن تنكَّر لدينه، وأن تقاطع من عادَى الله ورسوله، فلا يكون بينك وبينه صلةٌ ولا معاملةٌ ولا مؤاكلةٌ ولا مشاربةٌ.

 

ومن الجهاد في سبيل الله- أيها الحبيب- أن تعمل على إقامة ميزان العدل، وإصلاح شئون الخلق، وإنصاف المظلوم، والضرب على يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه.

 

ومن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله أن تحبَّ المجاهدين من كل قلبك وتنصحَ لهم بمحض رأيك، وقد كتب الله لك بذلك الأجر وأخلاك من التبعة (هل نحن قوم عمليون؟).

 

تضحيات على طريق الإصلاح

إن من يتتبع حركة الإصلاح في عصرنا هذا يستطيع أن يرصد نماذج التضحية والفداء من أجل أمة كريمة وشعب حرٍّ يَحيا بالإسلام ويعمل لعزته، ومن هذه النماذج مجدِّد هذا القرن الإمام الشهيد حسن البنا، والشيخ المجاهد محمد فرغلي، وصاحب الظلال الشهيد سيد قطب، والفقيه القانوني الشهيد عبد القادر عودة، وشهيد الإصلاح طارق الغنام، وشهيد التعذيب مسعد قطب، وشهيد السجون والمعتقلات أكرم الزهيري، وغيرهم كثير مما لا نعلمهم ولكن الله يعلمهم، أولئك الذين ضحَّوا بكل غالٍ ونفيسٍ في سبيل نُصرة دينهم ودعوتهم ورِفعة أمتهم، وعلى أثر هولاء يسير عدةٌ من الرجال الصادقين الذين يعطون من أنفسهم القدوة والنموذج لأجيال متعاقبة في العطاء والتضحية حتى يأذن الله بالنصر المبين.

 

إن حركة الإصلاح في المجتمعات تحتاج إلى جهود كل المُصلحين والدعاة المخلصين، أصحاب الهمم العالية، والنفوس المؤمنة، والعزائم القوية، الذين يتقدمون الصفوفَ ولا يتراجعون، ويضحُّون بأنفسهم ولا يضنون، وينفقون من أموالهم وأوقاتهم ولا يبخلون، فأولئك هم الفائزون في الدنيا والآخرة.. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23).