بقلم: د. رفيق حبيب

حالة الحصار المضروب على الشعب الفلسطيني وعلى حركة حماس تتزايد بصورة ملحوظة، وكأنها اختبارٌ للقوة من القوى الدولية في مواجهة حركة حماس.

 

والحصار يهدف لفرض شروطٍ على حركة حماس في مقابل فكِّ الحصار، وهي الشروط الثلاثة المعروفة، وهي الاعتراف بالكيان الصهيوني وقبول التفاوض معه ونبذ العنف، أي وقف المقاومة المسلحة، وتزايد حدة الحصار، يعني أن لدى الدول الغربية أملاً في فرض شروطها على حماس، وأن تجويع الشعب الفلسطيني سوف يجبر حركة حماس على الرضوخ للمطالب الغربية.

 

والحصار في الواقع ليس حصارًا غربيًّا فقط، بل هو أيضًا حصار عربي، وهو حصار من حركة فتح، فالدول العربية تخشى وصول حماس للسلطة، لأنها تمثِّل الإخوان المسلمين، والمهيأة للوصول للسلطة في دول عربية أخرى، وحركة فتح تعتبر وصول حماس للسلطة هزيمةً لها ولمشروعها، وتريد أن تثبت لنفسها وللشعب الفلسطيني أن خيار حماس خطأ وخيار فتح هو الصواب، أي خيار التسوية الذي بدأ في أوسلو.

 

معنى هذا أن انتصار حركة حماس في الانتخابات التشريعية، مثَّل خسارةً سياسيةً كبيرةً لكل الأطراف الحاكمة في المعادلة الدولية للمنطقة، وتلك الأطراف هي الطرف الغربي المهيمن، والأطراف المحلية التابعة له، والمؤيدة لسياسته، فمجمل الأوضاع السياسية العربية، حتى في فلسطين، تقوم على سلطة محلية، تابعة لإرادة القوى الغربية.

 

والقوى الغربية تحاول إعادة رسم المنطقة، وإعادة تشكيل الأنظمة العربية، لتكون أكثر تبعيةً للمنظومة السياسية الغربية، وهو ما يحدث في العراق مثلاً، فهدف الهيمنة على المنطقة هو الهدف الأمريكي الأول، والذي لا يتحقق إلا من خلال تحويل المنطقة إلى مجال أمريكي وغربي في تكوينه السياسي، بل أيضًا في تكوينه الثقافي والحضاري، وفكرة الهيمنة الحضارية، أو الاستعمار الحضاري الجديد، تجعل من هدف الهيمنة احتلال العقل العربي، وتشكيله وتحديد مساره، تحت أي دعاوى أو شعارات، مثل العولمة والتحول للديمقراطية، وغيرها من الشعارات.

 

ووسط هذا المشهد، يأتي انتصار حركة حماس في الانتخابات، ليمثل صدمةً لجميع الأطراف، فهي صدمةٌ للقوى الغربية؛ لأنها تفشل عملية الهيمنة التي تقوم بها، وهي صدمةٌ للقوى العربية الحاكمة، بما فيها حركة فتح؛ لأنها تكشف زيف المبررات التي تساق لتبرير عملية الخضوع للهيمنة الغربية.

 

ولهذا تُواجَه حركة حماس، بل يُواجَه الشعب الفلسطيني بهذا الحصار الشديد، في محاولة لإفشال صوت التحرر والمقاومة، خاصة أن هذا الصوت إذا انتصر في أي معركة فإنه سوف ينتشر في المناطق المجاورة، ويدخل في معارك متتالية، فانتصار حركة التحرر الحضاري الشامل التي تمثلها حركة حماس، في أي معركة من المعارك، من شأنه أن يُعطيَ دفعةً كبيرةً لحركات التحرر الإسلامي في العالم العربي، كما سيؤدِّي إلى دفع الجماهير لتؤيِّدَ حركةَ التغيير التي تقودها الحركات الإسلامية.

 

لهذا فعملية حصار حركة حماس مفهومة، بل هي ردُّ فعلٍ طبيعي من القوى الغربية والحلفاء المحليين، تجاه صدمة فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، ولكنَّ مصيرَ هذا الحصار هو المسألة المهمة، وموقف حركة حماس من هذا الحصار سيؤدِّي إلى العديد من النتائج المهمة على المنطقة، فاستمرار الحصار حتى انهيار السلطة الفلسطينية وانهيار البنية الأساسية بالكامل، وربما انهيار الحالة الصحية للشعب الفلسطيني غير ممكن وغير جائز، والقوى الغربية لا تستطيع الوصول إلى هذا المدى.

 الصورة غير متاحة

 

إذن نحن بصدد عملية النفس الطويل، فهي محاولة للتجويع، حتى يستسلم الجائع، قبل أن يضطر من يحاصره لإعطائه الطعام، وفي معركة النفس الطويل، مطلوب من حركة حماس أن تستسلمَ حتى تحميَ شعبها من الجوع، وعليها أن لا تفعلَ هذا، مهما استمرَّ الحصار،