بعد انتخابات عام 2005م، وجد الحزب الحاكم نفسه في مأزق حقيقي، بسبب الرفض الجماهيري الواسع له.

 

كما اتضح مدى الإخفاق الذي تعاني منه الأحزاب السياسية المصرية، سواء الليبرالية أو اليسارية.

 

وترددت العديد من الروايات حول محاولات لإصلاح الأحزاب من الداخل، وحول لجنة السياسات في الحزب الوطني، وما ستقوم به من عملٍ لإصلاح الحزب.

 

وبعض الروايات ذهبت إلى توقع تأسيس جمال مبارك لحزب سياسي جديد، يحل محل الحزب الحاكم. والعديد من الروايات حول لجنة السياسيات أو دور جمال مبارك، تتركز أساسًا على ترشيحه لرئاسة الجمهورية بعد والده. ولعل كثرة الروايات تدل في الواقع على وجود حالة من الارتباك لدى مختلف النخب السياسية. وهي كلها تشير إلى أهمية وجود صيغ سياسية جديدة تعبر عن التيار الليبرالي والتيار اليساري، والحزب الحاكم، والذي يمثل في الواقع مزيجًا من الليبرالية وفكر الحزب الواحد.

 

والمشكلة تتمثل في وجود نخب سياسية ليس لها قواعد جماهيرية، وليس لديها آليات للعمل الجماهيري. والحقيقة أن معظم تلك النخب تدور في فلك النظام الحاكم بدرجة أو أخرى.

 

وحتى أحزاب المعارضة، فقد دارت في فلك النظام الحاكم، وبالتالي أصاب جميع النخب السياسية ما أصاب النظام الحاكم نفسه، من افتقادٍ واضحٍ للتأييد الشعبي. وفي المقابل نجد تأييدًا شعبيًّا واضحًا للتيار الإسلامي عمومًا، خاصةً جماعة الإخوان المسلمين، مما نتج عنه ثنائية بين النخب السياسية بما فيها النظام الحاكم، وبين جماعة الإخوان المسلمين.

 

والواقع يؤكد تلك الثنائية، ومن قبل نتائج الانتخابات البرلمانية، فقد نجح النظام الحاكم في حشد تأييد النخب السياسية له في مواجهة التيارات الإسلامية، ومنها جماعة الإخوان.

 

وقد أدى ذلك إلى تكوين حشد نخبوي، إذا جاز التعبير، للنظام الحاكم، تجاوز النخب السياسية إلى النخب الثقافية والفنية والاقتصادية. وبدا واضحًا، أن مختلف النخب التي تميل لقيمة الحرية الفردية، تجد أن النظام الحاكم يمثل حاميًّا لها في مواجهة التيار الإسلامي، والذي يقوم أساسًا على قيم الأمة الدينية والحضارية. وبهذا أصبح الحفاظ على الحرية الفردية، خاصةً في المواضع التي تتعارض مع القواعد الدينية، هو الحافز الأساسي للتحالف بين النخب الليبرالية والنظام لحاكم.

 

تلك الصورة جعلت من النخب الليبرالية على وجه الخصوص، حليفًا قويًّا للنظام الحاكم، وكان عليها أن تدفع ثمن قربها وتأييدها للنظام الحاكم، فيشملها الرفض الجماهيري الذي طال النظام الحاكم. ولهذا تمثَّلت أزمة النخب الليبرالية في فقدها لأي قاعدة جماهيرية، كما أصبحت حليفًا للاستبداد، والذي يتعارض ضمنًا مع أفكارها الليبرالية. مما جعل تلك النخب تبحث عن طريق جديد يُعبِّر عنها، بعيدًا عن النظامِ الحاكم.

 

وفي المقابل نجد أنَّ الثنائية السياسية بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين، تدفع النخب الليبرالية إلى البحث عن طريق ثالث، لتصبح هي القوة الثالثة بين القطبين.

 

وربما تتكرر هذه الفكرة في العديد من الدول العربية الأخرى، كما رأيناها في فلسطين.

 

والطريق الثالث أو البديل الثالث، هو بين سلطة تملك القوة وتفرض نفسها بحكم سيطرتها على جهاز الدولة وعلى أجهزة القوة الرسمية، وبين تيار شعبي له قواعده الجماهيرية، هو التيار الإسلامي، والذي أصبحت تمثله وتقوده حركات الإخوان المسلمين، في مختلف الدول العربية.

 

وهنا علينا البحث عن طبيعة هذا التيار الثالث، فهو تيار ليبرالي يؤمن بالحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتمثل في نخب، لها تصورتها المختلفة عن الجماهير، وهو في الواقع اتجاه مدعوم من الغرب، ويمكن أن يكون مفضلاً من الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، كبديلٍ للنظام الحاكم، ولكنه يؤمن بأفكار صادمة للجماهير المصرية أو العربية والإسلامية، بحكم أنه ينادي ضمنًا بالتحرر من القيود الدينية.

 

وهذه الاعتبارات تجعل الخيار الثالث الليبرالي أمام بديلين لا ثالثَ لهما، البديل الأول هو الوصول إلى السلطة تحت حماية المارينز والتدخل الخارجي السافر، بأن يكون هذا التيار هو الرهان الأمريكي في المنطقة. وهذا الأمر سوف يتحقق عندما تجد الإدارة الأمريكية تجمعًا ليبراليًّا قادرًا على منافسةِ النظام الحاكم بدعمٍ أمريكي وأوروبي مباشر، وقادر على التصدي ولو جزئيًّا لتيار الإخوان المسلمين، عندئذ سوف يتم الرهان على الحزبِ الممثل لهذا الاتجاه الليبرالي، بإجبار السلطة الحاكمة على إنجاز انتخابات ديمقراطية نزيهة.

 

أما البديل الثاني، فيكمن في تأسيس ليبرالية مصرية، تعتمد على الاعتراف بقدسية الدين، رغم تبنيها لفكرٍ سياسي لا ينبع من المرجعية الدينية والحضارية للأمة، ولكنه لا يعارض الدين، ولا يهدم أسسه. ومن خلال ذلك يمكن لهذه النخب الليبرالية أن تقييم حوارًا مع الإخوان المسلمين، بل نقول يمكن لها أن تتحالف معهم.

 

وأيضًا يمكن للإخوان المسلمين التحالف مع هذه النخب الليبرالية، رغم الدعم الغربي لها، على قاعدة تحرير المجال السياسي أمام الجميع، دون إقصاء، وعلى قاعدة الشراكة السياسية التي تقوم على مبدأ المشاركة لا المغالبة، حتى وإن كانت المغالبة متاحة وممكنة.

 

وبدلاً من ثنائية الاستبداد في مواجهة الإخوان، نصبح أمام ثنائية بين الليبرالية المدعومة غربيَّا، أي القائمة على المرجعية الغربية، وبين الإخوان، أي المرجعية الحضارية والدينية للأمة، على قاعدة التحرر السياسي للجميع، وأنَّ الدين هو المقدس لدى الأمة، ورغم غرابة الفكرة، إلا أنها تُعبِّر عن غرابة اللحظة الراهنة، وتوازن بين الثقل الجماهيري للإخوان، والدور المتعاظم للتدخل الخارجي، وتصوغ في النهاية مرحلة انتقالية تؤسس للإصلاح السياسي الشامل.