لا شك أن حماس تُصارع وتخوض معركةَ البقاء في الساحة السياسية، ولا نظن أن تجربة حماس لها نظيرٌ في تاريخ الأقطار المحتلة، فهي تواجه العدوَّ والصديق, والكل مُجمِعٌ على أنها لا بد أن تقبل بشروط "إسرائيل".. فلم تَعد القضيةُ مناقشةَ هذه الشروط وبيانَ عدم دقتها أو العدلَ فيها, فالكل يعلم أن الطرفَ القويَّ هو الذي يفرض شروطَه والمجتمع الدولي كله يسانده.

 

صحيحٌ أن الفارق أصبح واضحًا بين سياسات القوة ومتطلَّبات الأخلاق الدولية, في عصرٍ ارتدَّ فيه العالم إلى بدايات العصور الحديثة، حين كانت القوة وحدها هي التي تحدد الحق وتفرض التسويات المختلفة للمنازعات الدولية، ولكن الصحيح أيضًا هو أنه في حالة "إسرائيل" تتوقف المعايير الدولية وتسود معايير المصلحة، فقد قررت تل أبيب منذ البداية أن قوتَها العسكريةَ وقوةَ تحالفاتِها الدولية هي التي شكَّلت تاريخَها وعلاقاتها في المنطقة؛ حتى تمكنت من كسر الإرادة الرسمية العربية، وليس إصرارُها على أن تسوي القضية من طرف واحد إلا ترجمةً لاختلال الميزان السياسي والعسكري بين إسرائيل والطرف الفلسطيني, خاصةً بعد أن انحسر الصراع فارتدَّ فلسطينيًّا "إسرائيليًّا" كما بدأ يهوديًّا فلسطينيًّا قبل أن تظهر "إسرائيل" إلى الوجود؛ مما استتبع تدخل الأطراف العربية.

 

وتشير قراءة الحالة العربية والموقف من القضية الفلسطينية- بل حتى في العالم كله- إلى أن هناك توافقًا عربيًّا صامتًا على نقص اليد العربية عن القضية وتركها لـ"إسرائيل" تسوِّيها بالشكل الذي تريد، وليس هنا مجالٌ لشرح الأسباب والتراكمات التي أوصلت العالم العربي إلى هذا الحدِّ الذي لم يَعُدْ لديه حساسيةٌ تجاه المشروع الصهيوني بعد انكسار المشروع العربي, فأصبح العالم العربي ينظر إلى ألفاظٍ كالصمود والمقاومة والتضحية بالكثير من اللامبالاة التي يمكن أن تُترجم أحيانًا إلى حالة من الواقعية الجديدة.

 

ففي قمة بيروت 2002 كان بوسع العالم العربي أن يتحدَّثَ عن الانتفاضةِ وإنشاءِ صناديق ضخمة لدعمها والإشادة بالعمليات الاستشهادية, فإذا كل ذلك ينقلب إلى عكسه تقريبًا، وفي أحسن الأحوال التزمت القمم العربية التالية الصمت التام، ولا شك أن توثيق التحالف الصهيوني الأمريكي و"الهجمة الديمقراطية" الأمريكية التي انكشف زيفُها على المنطقة العربية، وما ترتب على ذلك من غزو العراق.. كل ذلك أصاب العالم العربي بالصدمة والوجوم السياسي، فبدأت القشرة العربية للصراع تتوارى, وبدا الاختراق الدبلوماسي والتجاري الـ"إسرائيلي" تحت الضغط الأمريكي حقيقةً واقعةً، لدرجة أن وزير خارجية "إسرائيل" قبيل قمة الجزائر عام 2005 تحدث بثقةٍ عن علاقات "إسرائيل" مع عشر دول عربية جديدة, أي كل العالم العربي إذا أخذنا في الاعتبار أن نِصْفَ الدول العربية تقريبًا تقيم علاقاتٍ رسميةً أو شبهَ رسمية مع إسرائيل.

 

والسؤال الآن: إذا كانت الضغوط الهائلة واستعداء الشعب الفلسطيني بسبب معاناته على حماس، حتى إن ثلثه- في آخر استطلاع للرأي- حثَّ حماس على الاعتراف بإسرائيل لفكِّ عنق الزجاجة مع كل المجتمع الدولي, كما أن "أبو مازن" بدأ يتحدث بثقةٍ عن حقه الدستوري في استبدال حكومة حماس بحكومة مقبولة من إسرائيل ومن العالم, نقول إذا كانت كل تلك الضغوط كفيلةً بإسقاط حماس فهل هذا فعلاً ما تريده إسرائيل؟ أو أن إسرائيل تريد تطويع حماس فقط دون القضاء عليها؟

 

نعتقد أن إسرائيل تضيق ذرعًا بحماس في السلطة وفي المقاومة، وكانت تؤمِّل أن وجودها في السلطة سوف يفرض عليها سلوكَ الحكومات الفلسطينية السابقة؛ ولذلك التزمت إسرائيل بعدد من الوسائل الضاغطة والمغرية حتى تحاصرَ حماس منذ البداية دون أن تتركَ لحماس أيةَ فرصةٍ لكي ترتبَ خطابَها وتنظمَ سلوكَها.

 

 الصورة غير متاحة

 حركة المقاومة الإسلامية حماس

ويبدو أن إسرائيل تريد الخلاص من حماس، ولكن