عندما وقع التفجير الأول في فندق طابا السياحي تمَّ القبض على عددٍ ممن اشتبهت فيهم سلطات التحقيق المصرية, وحدث الشيء نفسه، بعد تفجيرات شرم الشيخ الأكثر عنفًا وضراوةً، وقد اختلف موقف السلطات الرسمية حول علاقة مَن قاموا بالتفجيرين, فقيل يومها إن بعض مَن لم يقبض عليه في تفجيرات طابا هو الذي أسهم في تفجيرات شرم الشيخ، وبعدها خرجت مصر كلها تندِّد بالإرهابِ وتعلن العزم الشعبي والرسمي على مناهضته، ووسط هذا الغليان أدخلت بعض الأوساط الأجنبية فكرة تلقَّفتها أجهزة الإعلام المتعطشة للمعلومات والإثارة، وهي الإشارة بالاتهام إلى منظمة القاعدة, لكن لم تلبث سلطات التحقيق أن استبعدت هذه الفرضية بعد أن ألمحت إلى استحسانها, ربما دون أن تُدرك مخاطر الموافقة عليها, فتوجه التحقيق صوبها، وافترض الرئيس مبارك في تصريحات عقب تفجيرات شرم الشيخ أن الإرهاب لا يتجزأ، وأيًّا كان المكان الذي يقع فيه.
ولعل الأسئلة التي أُثيرت بعد التفجيرين لا تزال تلح, حيث أجبنا عليها في مقالٍ نُشر عقب التفجيرات بأيام, وأول هذه الأسئلة: هل هناك علاقة بين التفجيرين؟ والآن هل هناك علاقة بين هذين التفجيرين وتفجير دهب؟ كانت الإجابة على العلاقة بين تفجيري طابا وشرم الشيخ بالإيجاب, وعلى سلطات التحقيق أن تقدِّم الإجابة الفنية عن السؤال، أما السؤال الثاني فيتعلق بالصلةِ بين هذه التفجيرات وظاهرة الإرهاب في مصر.
وقد اتَّخذت الإجابة خطين, خطًّا يرى أن ما حدث في شرم الشيخ يعتبر جيلاً جديدًا من الإرهابيين وموجةً متجددةً من موجاتِ الإرهابِ؛ لأنها تستهدف الشعبَ المصري كما تستهدف الدولة المصرية.
أما الخط الآخر الذي بدا مقبولاً فهو أن الإرهاب في مصر قد انتهى, دون أن تنتهي دواعيه والمطالب التي قدمها, وأن اختفاء الإرهاب في مصر يرجع ليس فقط إلى المعالجة الأمنية وحدها, وإنما يعود في الأساس إلى رفض المجتمع المصري تعرض أفراده لأضرارٍ فادحة في حياته وأنه رفض الإرهاب الذي تذرَّع بأنه يستهدف إجبار الحكومة على التفاوض حول طلبات الجماعات الإرهابية, برغم أن هذه الطلبات هي نفسها طلبات المجتمع المصري، لقد سلم المجتمع في مصر بأن أخطاء الحكومة قد أضيف إليها مآسي الإرهاب, فوجد المجتمع نفسه بشكل ما في نفس الخندق الذي تقف فيه الحكومة, رغم تحفظاته على العديد من القضايا والسياسات، وخلصنا إلى أن الإرهاب في سيناء ملف جديد تجب دراسته بالذكاء الواجب, كما يتعيَّن الإجابة عن السؤالين مرةً أخرى مضافًا إليهما حادثُ دهب, وما إذا كان حادثًا منفصلاً أم أنه جزءٌ من مسلسل بدأ في طابا بصرف النظر عن المنظمة التي سوف تعلن مسئوليتها عن حادث دهب, يبدو أن هذه الأسماء وهمية لا تفيد التحليل أو التحقيق.
وأقدم ملاحظاتي على حادث دهب في سياق الافتراض بأن إسرائيل ليست بعيدةً عن هذا الحادث, حتى وإن عرضت على السلطات المصرية المساعدة في عمليات الإنقاذ؛ بل إنَّ هذا الطلب نفسه محاط بالشكوك.
الملاحظة الأولى: أن مصر أعلنت عن لقاء في شرم الشيخ بين الرئيس مبارك وأولمرت رئيس وزراء إسرائيل الجديد في وقت تتعرض فيه حكومة حماس لأقسى الضغوط من كل اتجاه لإسقاطها نكاية في الخط السياسي الذي رفعته واتهامها بإغفال الواقع، تؤدي هذه الملاحظة إلى الافتراض بأن من قام بالتفجيرات لا يريد إتمام هذا اللقاء، مما يعطي انطباعاتٍ مناقضةً للسياق العام, خاصةً أن هذا اللقاء يمكن أن يساعد على تسوية بين إسرائيل وحماس, كما يمكن أن يجري في إطار شرح إسرائيل لوجهةِ نظرِها من حماس.
الملاحظة الثانية: أن تفجيرات دهب هي الحلقة الثالثة على التوالي في سيناء بعد تفجيرات طابا وشرم الشيخ، وكلها مدن سياحية وفي ذروة المواسم السياحية، فإذا كان الهدف هو ضرب السياحة قفد لوحظ أن السياحة المباشرة من الخارج إلى خليج العقبة لم تتأثر, وكان يخشى ضربها بعد حادث شرم الشيخ وهو الأخطر والأكبر خاصةً أن المدينة أصبحت عاصمة مصر الدبلوماسية ومقر الإقامة المعتادة للرئيس مبارك, ولكن السياحة انتظمت بعد هزات خفيفة.
الملاحظة الثالثة: أن كل هذه التفجيرات اتهم فيها بدو سيناء, وتردد أنهم تعرضوا للكثير من المتاعب والاحتجاز والتعذيب والضرر خلال عملية التحقيق, ومع ذلك لم تسفر التحقيقات عن نتيجة صالحة للإعلان, أو حتى كي تقود القيادة السياسية إلى منفذ التفجيرات، بل إن الحديث عن تورط بدو سيناء قد ارتبط بالتشكيك في وطنيتهم خاصةً خلال الاحتلال (الإسرائيلي) لسيناء رغم عرض بعض النماذج الوطنية التي قبعت عقودًا في سجون الاحتلال الصهيوني, وهذا بدوره كفيلٌ بتحول ولاء البدو نحو (إسرائيل)، وكان علاج ذلك كله هو تعمير سيناء, ولكن هذا المشروع القومي الذي نقلت من أجله مياه النيل في ترعة السلام قد تعطَّل لأسبابٍ لا يذكرها ولا يناقشها أحد.. فهل تعمير سيناء تعارضه (إسرائيل) حتى لا تنشأ كتلة بشرية وتجمعات سكانية مرتبطة بالأرض وتشكل خط الدفاع الأول إذا عادت (لإسرائيل) غريزة التوسع في سيناء بعد أن قامت بغزو سيناء مرتين عامي 1956م و1967م, فيصعب اجتياح سيناء خاصةً بعد أن أصبحت منزوعةَ السلاح والوجود العسكري المصري, بصرفِ النظر عن الجدل العقيم الذي تمسَّك به البعض لتبرير هذا الوضع غير المتكافئ إذا صحَّ هذا الافتراض, فلماذا وافقت الحكومة المصرية على رغبة (إسرائيلية) تُثير الشك في أطماع إسرائيل في سيناء؟
الملاحظة الرابعة: وهل من قبيل الصدفة المحضة أن تقع التفجيرات كلها بالتحديد في مناسبات قومية يحتفل بها المصريون وتتصل بسيناء؟ فقد وقع تفجير طابا بينما مصر كلها تحتفل بانتصار جيشها الباسل في معركة تحرير سيناء من الاحتلال (الإسرائيلي) وفي ذكرى ذلك اليوم من عام 2004م، وفي ذكرى ثورة 23 يوليو من عام 2005م، وقعت تفجيرات شرم الشيخ المروعة التي هزت مصر، ولكنها لم تُؤثر على سياحةِ البحر الأحمر، وفي ذكرى تحرير سيناء هذا العام 2006م، وقعت تفجيرات دهب, فهل ننتظر في هذه المناسبات وقوع هذه التفجيرات؟
إذا أضفنا إلى هذه الملاحظة انطباعات أخرى متصلة بها حول أطماع (إسرائيل) في سيناء فقد تقترب الصورة الخاصة بعلاقة (إسرائيل) بهذه التفجيرات دون الالتفات في هذا التحليل إلى بعض الضحايا من (إسرائيل)؛ لأن المخططات الكبرى لا بد أن يكون لها بعض الضحايا؛ فقد أكدت (إسرائيل) دائمًا أن سيناء كانت مسرحًا لتهديدها ولم يحدث أن هوجمت (إسرائيل) من أي اتجاه, وأن سيناء تكون خطرًا كلما كانت حكومة القاهرة جزءًا من المنظومةِ العربيةِ ولها دورٌ عربي ظاهر, فتسعى (إسرائيل) إلى وضع مسافةٍ بين القاهرةِ والقضيةِ الفلسطينيةِ، وقد نجحت في ذلك, كما أصرَّت على تحييد سيناء، وذلك بنزع سلاحها ورفض الوجود العسكري المصري فيها على النحو الذي أوضحته اتفاقية السلام بين مصر و(إسرائيل)، ولكن (إسرائيل) لا تقصر نظرها إلى سيناء على الجوانب الأمنية, وإنما تنظر إلى سيناء من منظور شامل يتصل بجوانب المشروع الصهيوني، فـ(إسرائيل) تردد دائمًا بأنها تعاني من صغر المساحة وانعدام الموارد الطبيعية ولديها مشروع طموح لطرد كل الفلسطينيين من كل الأراضي الفلسطينية؛ لأنها تريد الأرض بلا سكان, حتى تصبح دولة (إسرائيل) دولةً يهوديةً خالصةً ربما بحلول عام 2020م، تدرك (إسرائيل) كذلك أهمية سيناء ومواردها الطبيعية والمائية, وهي التي استخدمتها من قبل, كما تلحظ أن مصر لم تستفد بسيناء بالشكل المطلوب منذ استردادها, وتشعر بأن (إسرائيل) هي الأجدر بحيازتها واستغلالها بدلاً من تركها.
من ناحيةٍ أخرى تهدف (إسرائيل) من شيوع الإرهاب في سيناء إلى الإيحاء بأن الفراغ الأمني المصري قد ملأه الإرهاب في سيناء، وهو خطر على أراضيها، مما يدفعها إلى اقتراح التعاون مع مصر والولايات المتحدة، فتصبح سيناء مسرحًا للحملة الأمريكية لمكافحة الإرهاب بما يمكن (إسرائيل) من السيطرة عليها في هذا الإطار, وليس عن طريق الغزو والاحتلال، ويكفي أن يعود القارئ إلى كلمة شامير رئيس وزراء (إسرائيل) خلال مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر 1991م، ونظرته إلى سيناء ومقارنته بين المساحة الصغيرة (لإسرائيل) مقابل أكثر من 14 مليون كيلو متر مربع في العالم العربي.
يُضاف إلى ما تقدم أن لدى (إسرائيل) برنامجَ استقدام عددٍ من يهود العالم خلال المرحلة القادمة لتبرير التوسع (الإسرائيلي)، ولعلنا نلاحظ أن (إسرائيل) تعتقد أن ظروف مصر والمنطقة العربية والنظام الدولي تُشكل وضعًا مثاليًّا لتفيذ أطماعها، مما يجعل تفجيراتِ دهب دليلاً جديدًا على صحةِ هذا التحليل, كما أنه يدق ناقوسَ الخطر على سيناء التي لم تتوقف (إسرائيل) عن اختبار ردود الفعل المصرية في شأنها, دون أن نتوقف لحظةً واحدةً أمام بعض الأصواتِ المتشنِّجة التي تطغى على التفكير الهادئ, بشأن قدرة مصر على صد (إسرائيل), لسبب بسيط، وهو أن (إسرائيل) لا تريد سيناء عن طريق الغزو كما حدث في المرتين السابقتين, ولكن في إطار جديد عنوانه مكافحة الإرهاب والتعاون من أجل السلام (الإسرائيلي طبعًا).
وأخيرًا, فإنه إذا كان المقصود من هذه التفجيرات هو إظهار عجز مصر عن حمايةِ سيناء من الإرهاب، مما يُشكل خطرًا على الأمن (الإسرائيلي) من جهة مصر, فإن تصوير حادث كنيسة الإسكندرية على أنه دليلٌ على عجزِ الدولة المصرية عن تحقيق التعايش بين أبناء المجتمع المصري, وهو ما أكده الخطاب القبطي خلال هذه الأحداث, أمكن تصور الصلة بين مَن يريدون المساس باستقلال مصر في إدارة المجتمع المصري, وبين مَن يريدون المساس بسيادة مصر على سيناء, وكلا الهدفين يتحققان بمثل هذه الأحداث.