تلحُّ الولايات المتحدة وكذلك مجلس الأمن على أن قوات الاتحاد الأفريقي ليست قادرةً على وقف المجازر في دارفور؛ بسبب نقص المعدات والذخائر والأموال؛ ولذلك فإن وجود القوات الدولية بديلاً عن القوات الأفريقية يمكن أن يؤدِّيَ إلى تحقيقِ الأهدافِ وإزالةِ المخاوف التي تساور الولايات المتحدة.
وبهذه المناسبة يجب الحذر في استخدام مصطلح (المجتمع الدولي)، فقد شاع في الفترة الأخيرة أن ما تريده الولايات المتحدة هو ما يريده (المجتمع الدولي)، بل إن المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض والخارجية الأمريكية يؤكد هذا المعنى عندما يتحدث عن الموقف الأمريكي، وقد يكون في ذلك بعضُ الصحة؛ حيث إن الولايات المتحدة- باعتبارها القوةَ العظمى الوحيدة في العالم- أصبحت أشدَّ تأثيرًا على مواقفِ الدول الأخرى، بصرف النظر عن درجة اقتناع هذه الدول بالمواقف الأمريكية، وقد عارضت الحكومةُ السودانيةُ فكرةَ استبدال قوات دولية بالقواتِ الإفريقية, ولكنَّ القمةَ العربيةَ التي عُقِدت في الخرطوم وقفت موقفًا وسطًا؛ بسبب تمايز مواقف الزعماء العرب حول هذه القضية.
![]() |
|
الدول العربية لم تتفق على موقف بشأن السودان |
فقد أكدت القمة أن موافقةَ الحكومة السودانية على إرسالِ هذه القوات هو الشرطُ الأساسي لقبولها، ولما كانت الحكومة السودانية تشعر بالقلق والتشاؤم من هذه القوات بسبب محاولة الولايات المتحدة تدويلَ المشكلة وكذلك تسريع هذا التدويل في مجلس الأمن, فضلاً عن موقف مجلس الأمن الأخير الذي حاولت الولايات المتحدة فيه تقديمَ أربعةٍ من كبارِ المسئولين السودانيين أمام المحكمة الجنائية الدولية للمحاكمة الجنائية على الجرائم التي نسبت إليهم في دارفور.. فقد أثار ذلك الفزع على المستوى الرسمي والشخصي معًا, كما أثار الشكَّ حول الهدف الحقيقي من وصول التدويل إلى مرحلة وجود القوات الدولية, خاصةً أن الولايات المتحدة التي دوَّلت مشكلة دارفور مع فرنسا هي التي تدفع في اتجاه الوجود الدولي في دارفور.
ولعل هذا الموقف يذكِّر السودان بما حدث في كوسوفا؛ حيث قامت قوات حلف الأطلسي بضرباتٍ جويةٍ ضد يوغوسلافيا الدولة الأم، ثم وضعت كوسوفا تحت الإدارة الدولية بحجة أن الدولة التي لا تحسن معاملة رعاياها لا تستحق أن يظل هؤلاء الرعايا جزءًا من هذه الدولة، وبالطبع فإن وضع كوسوفا- التي تضم 90% من سكانها من الألبان المسلمين- سيظل معلَّقًا بين الاستقلال والتبعية ليوغوسلافيا؛ لأنه لا يمكن السماح لكوسوفا أن تصبحَ دولةً مستقلةً إسلاميةً، كما لا يمكن السماح لها بالانضمام إلى ألبانيا في إطار مشروع ألبانيا الكبرى.. فما الوضع القانوني للقوات الدولية المقترحة في دارفور؟
تُرسَل القوات الدولية عادةً بأحد طريقين: الأول بطلبٍ من الدولة التي تستضيف القوات الدولية, أو بموافقة هذه الدولة، كما حدث في حالة القوات الدولية التي أُرسلت إلى مصر عام 1956 لكي تكون عازلةً بين مصر وإسرائيل؛ ولذلك فإن مصر هي التي طلبت إنهاءَ عمل هذه القوة, ولم يجد الأمين العام الأمم المتحدة عام 1967 مفرًّا من الاستجابة لرغبة مصر، خاصةً بعد أن هدَّدت مصر بأن هذه القوات تتحوَّل إلى قوات محتلة بمجرد توقف موافقة مصر على استمرارها على أراضيها.
صحيحٌ أن طلب سحب القوات كان أحد المؤشرات والذرائع من وجهة نظر إسرائيل لمهاجمة مصر في يونيو 1967, إلا أن هذه السابقةَ تُفيد في تحديدِ وضعِ القوات الدولية في دارفور مع فارق أساسي، وهو أن القوات الدولية في دارفور التي تتشكَّل في سياق تدويل المشكلة تستهدف في النهاية فصلَ الإقليم عن السودان, وهو السبب الحقيقي في أن حكومةِ السودان لا توافقُ على وجودِ هذه القوات في دارفور.
أمَّا الصورة الثانية للقواتِ الدوليةِ فهي القوات التي تُرسَل إلى الدولة رغم أنفها؛ حتى ترغمَ هذه الدولة على عمل معين، فإذا أُرسِلت القوات إلى دارفور- رغم معارضة الحكومة السودانية- فإن هذه القوات سوف تقوم باحتلال إقليم ومنعِ الح
