سرَّني أن تعلن الجامعةُ العربية عن رقم حساب 7777777 ببنك مصر المركزي تتلقَّى من خلاله التبرعاتِ للشعب الفلسطيني المحاصر تحت سندان العدو النازي اليهودي ومطرقة الإجرام الأمريكي الاستعماري، والريح التي تشعل نيران الأنانية والنرجسية، بعد إغماض العين عن المصلحة الوطنية العُليا للشعب الفلسطيني من قِبَل منظمة فتح التي بدَت وكأنَّها تتحالف مع العدو الصهيوني نكايةً في انتصار حماس في الانتخابات الأخيرة، وهزيمة السلطة التي أخفقت سياسيًّا واقتصاديًّا، وعاثت في البلاد فسادًا، وتنازلت للعدو بما لا يجوز دون أن تحصل على أي مقابل.

 

موقف الدول العربية والإسلامية ليس جيِّدًا بحال، فكثيرٌ منها لم يقدِّم قرشًا واحدًا لحكومةِ حماس الجديدة، خوفًا من الغضب الأمريكي الأوروبي الذي كشَّر عن أنيابه بعد نجاح حماس في الانتخابات التشريعية، وفرض على الشعب الفلسطيني كلِّه حصارًا اقتصاديًّا وسياسيًّا تأديبًا له على انتخاب حماس دون فتح، كما يقدِّم درسًا للشعوبِ العربيةِ والإسلاميةِ التي تنتخب أحزابًا أو منظماتٍ إسلاميةً تَصِل إلى المجالس التشريعية أو المحلية أو تشكِّل الحكومات.

 

فالعالم الغربي الاستعماري لا يحب الإسلام ولا المسلمين الذين يعبِّرون عن هويتهم أو يقاومون التبعية والانضواء تحت العلم الاستعماري وإرادته الاستعمارية.. هذا الدرس وذلك التأديب تعبيرٌ عملي عما يسمَّى الإصلاح السياسي بالمفهوم الغربي، والمقولات الشائعة عن الديمقراطية واحترام أصوات الناخبين لا تطبَّق إلا على اليهود الغزاة في فلسطين المحتلة والدول الموالية للغرب، أما فوز الإسلاميين في أي بلد إسلامي فمعناه موت وخراب ديار، أي إن الديمقراطية لا بد أن تكون مفصلةً على مقاس السادة الأمريكان والأوربيين، وإلا فلن تكون ديمقراطية صحيحة.

 

وبناءً عليه فقد تمَّ حصار الفلسطينيين بعد فوز منظمة حماس الإسلامية برًّا وبحرًا وجوًّا، ومنع القوافل التجارية من دخول القطاع والضفة لدرجةٍ كادت تؤدي إلى كارثة الموت جوعًا لولا تدخلات مصرية برفع الحصار لبعض الوقت، ثم وهو الأخطر أو الأهم- وكله أخطر وأهم- منع الأموال المستحقة للفلسطينيين من الجمارك والضرائب، بالإضافة إلى المعونات الأجنبية عن الحكومة الفلسطينية الجديدة؛ حتى لا تجد رواتب للموظفين والعاملين، وهو ما أعلن عنه وزير المالية الفلسطيني، الذي قال إن الخزانة الفلسطينية خاويةٌ على عروشها ولا يوجد فيها فلس واحد.

 

الهدف من الحصار هو تركيع الفلسطينيين، والاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب، والبقاء تحت رحمة الإرادة الصهيونية وبالتالي الإرادة الغربية الاستعمارية، وإن لم يحدث الركوع والاعتراف والاستسلام فالموت جوعًا والقتل يوميًّا والاعتقال المستمر بتهمة المقاومة هو منهج التعامل الصهيوني اليومي.

 

لا تتحدث عن القانون الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، فهذه كلها أدواتٌ لا تتحرك إلا بالإرادةِ الغربيةِ والصهيونيةِ؛ لدرجة أن السكرتيرَ العام للأمم المتحدة أعلن أنه لن يتحدث مع أحد من حكومة حماس ما لم تنفذ ما تريده أمريكا واليهود!!

 

المسألة واضحة وضوح الشمس، فالشعب الفلسطيني لا حقَّ له في الحياة مثلَ بقيةِ الشعوب في العالم وليس من حقِّه أن يلعبَ أبناؤه في سلام، أو يمشون مطمئنين في شوارع بلادهم، أو يسكنون "آمنين" في بيوتهم، فالطائرات والمروحيات تصطاد مَن تشاء بالصواريخ الموجَّهة، والدبابات والمدافع تقصف الأحياء والأموات دون تمييز، ودون أن يرتفع صوتٌ عالميٌّ بالاستنكار أو الشجب، وبالطبع لا أملَ في حضور قوات دولية أو حتى قوات حلف الناتو، فهذه تذهب فقط إلى دارفور والصومال وجنوب السودان وربما تصل إلى لبنان في وقت غير بعيد.

 

لقد انطلق الموالون لأمريكا في بلادنا العربية- بما فيهم منظمة فتح- في تقديم النصائح لحكومة حماس، بل تقريعها على عدم الاعتراف بالعدو النازي اليهودي وعدم القبول باتفاقيات الإذعان التي لم ينفذها، وإلا فإنها ستقود الشعب الفلسطيني إلى الهلاك والدمار!! وكأن الاعتراف والإذعان قد حقَّقا شيئًا للشعب البائس المسكين.

 

والقوم معهم حق، فقد تعوَّدوا على الاستجداء والمناشدات والتوسل إلى الآخرين؛ كي يُعيدوا إليهم بعض الحقوق المغتصبة والضائعة، وتناسَوا دماء الشهداء الأبطال الذين دفعوا ثمنًا غاليًا في مواجهة العدو المتوحش، كما تناسوا أن المواجهة لا يمكن أن تنتهي اليوم أو غدًا، وظنوا أن العدو سيوقف عدوانُه وإجرامه إذا تم تقديم التنازلات التي يطلبها، والقبول بالشروط التي يمليها، إنه لا يستجيب لنداء السلام؛ لأنه يعتقد أنه السيد الذي يجب أن يخضع له العبيد دون مقابل ودون شروط حتى لو كانت حقوقًا مشروعةً.

 

والواقع أن العدو الصهيوني والمستعمر الغربي لا يفهمان غير لغة واحدة هي لغة القوة والمقاومة، وكانت المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان النموذجَ الأرقى على إجبارِ هذا العدو وسادته في واشنطن والعواصم الأوروبية على القبول بالخروج المهين من جنوب لبنان دون شروطٍ أو قيودٍ أو سفارة أو عَلَم يرتفع فوق أرض إسلامية!!

 

والمبادرة الشعبية التي أطلقتها الجامعة العربية يجب أن تكون بدايةً لإرغام العدو الصهيوني المجرم على مغادرة القدس والضفة والقطاع وعودة اللاجئين إلى وطنهم.. إن المال هو عصب المقاومة والصمود، ومع الإرادةِ المخلصةِ فإن تحقيق النصر بإذنه تعالى آتٍ لا ريبَ فيه.

 

لقد أعلن إسماعيل هنية- في خطبة الجمعة يوم 24/4/2006م- أن الشعب الفلسطيني لن يركع لغير الله، ولن يستسلم ولو أكل العشب والزعتر، وإني لأصدق إسماعيل هنية فيما يقول؛ لأنه الرجل الذي أعلن فور فوز حماس عن تخفيض مرتبه إلى 1500 دولار بدلاً من عشرين ألف دولار كان يتقاضاها سلفُه، كما أعلن عن تخفيضاتٍ أخرى كثيرة، مع الشفافية في إنفاق كل فلس في المصارف المختلفة، وهو ما يعني أن الفساد الذي كان سائدًا في السلطة الفلسطينية لن يستمر، وأن كل دولار سيذهب إلى مكانه الحقيقي.

 

لقد كان البعض في السلطة المنتهية من الأشاوس والنشامى يدخن السيجار الذي يبلغ ثمن الواحد منه عشرين جنيهًا، دون أن يرفَّ له جفنٌ أو يشعر بالخجل، بينما الشعب البائس يعاني ويتضوَّر جوعًا، ويذكر التاريخ أن الثوَّار الجزائريين عندما لاحت بوادرُ نصرهم كانوا يبحثون عن حذاء لأحدهم حتى يمكنه أن يجلس مع المفاوضين الفرنسيين في مفاوضات الاستقلال، ولما لم يجدوا له حذاءً ذهب بشبشب مقطوع، هكذا يتصرف الثوار الحقيقيون وليس الذين يدخِّنون السيجار من مال الشعب البائس الفقير!! والذي يعنيني في هذه الظروف هو المبادرة الشعبية التي يجب أن تشمل جميع أفراد الأمة العربية والإسلامية.

 

إن جنيهًا واحدًا أو دولارًا واحدًا كفيلٌ بإنقاذ حياة فلسطيني واحد على الأقل، والصمود الفلسطيني هو بصورة وأخرى صمود للأمة كلها، وشعوبنا- بإذن الله تعالى- قادرةٌ على دعم شعبنا الفلسطيني البطل بإمكانات أفرادها غير المحدودة.

 

لن أتحدث عن البترول وإمكانية تخصيص دولار واحد عن كل برميل يتم تصديره، ولن أقول إن ثمن عشرة آلاف برميل في كل دولة بترولية يمكن أن يُعيدَ الحياة إلى الشعب المجاهد؛ لأن الحديث عن الحكومات- للإنصاف بعضها يدفع- صار غير مُجدٍ.

 

إن الأمل في الله ثم في الشعوب والبسطاء على وجه التحديد؛ حتى يأذن الله بالنصر والعودة، وهو وحده المستعان!!