في كتابه "المفردات في غريب القرآن" عرَّف الراغب الأصفهاني "الطغيان", بأنه "تجاوز الحد في العصيان, ويقال "طغى الماء" إذا جاوز الحد المعقول المعروف. وقوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ أي: الطوفان الذي جاوز الحد. والطاغوت, هو كل متعد وكل معبود من دون اللّه, ويُستعمل في الواحد والجمع.
أسباب ظاهرة الطغيان..
وقد كتب كثير من علماء النفس والاجتماعيات بحوثًا ودراسات عن نفسية الطغاة, والأسباب التي تجعل من الحاكم طاغوتًا ضاريًا.. وأغلب هذه الدراسات- إن لم يكن كلها- تعتبر دراسات ميدانية تستخلص تنظيراتها وقواعدها من شخصيات الطغاة قديمًا وحديثًا. من هنا جاءت هذه المباحث على حظ كبير من المصداقية.
وناقشت هذه الدراسات الأسباب والعوامل التي تجعل من الإنسان طاغية. ووصلوا إلى أنه من الصعب- بل من المستحيل- تعليل ظاهرة "الطغيان" بعامل واحد, أو علة واحدة. إنما ترجع إلى عددٍ من العوامل المتشابكة, المعقدة, ولكنها تتفاوت في التأثير والتوجيه.
فهناك الطاغية الذي صنعته طريقة التربية الغالطة فعاش طفولةً قاسيةً, مطحونًا بظلم الأهل والأبوين, فينشأ مسكونًا بالتطلع إلى الانتقام الذي تغذيه عقدة الشعور بالاضطهاد. فإذا ما جاءته فرصة الحكم, تحكم وظلم, وقصف أعناق العباد, ووجد في ذلك متعة, ولذة تعوضه عن عذابات الطفولة ومرارة الماضي.
وقد يولد الطاغية مسكونًا بعقدة العظمة أو التعاظم, مما يدفعه لبناء مجده الشخصي بأي ثمن, وبأي حساب, ولو جاء في صورة ممسوخة شاذة مشوهة وفي سبيل إشباع هذه الشهوة العارمة, فلتهلك الأمة عن جهل, أو عن بينة, المهم أن يصعد.. ويصعد.. ويعلو.. ويعلو, ولو على جبل من الجماجم. وتبلغ النرجسية بالطاغية- في هذه الحال- إلى درجة عبادة النفس وتوثين الذات, كما أعلن فرعون في قومه ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾, و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾.
ومن أهم عوامل "تخليق" الطاغية: غفلة الأمة, وتراخيها, وضعف إحساسها بذاتها, وانعدام تقديرها للمسئولية, فما كان الحاكم ليستبد إلا بأمة تملك "قابلية الخضوع والخنوع والاستسلام" حتى ترى من الظلم ألا تُظلم ومن الضيم ألا تُضام.
وقد تمثَّل هذه الطبيعة "الجانب السلبي" في أخلاقيات هذه الأمة, ولكن ثمة طوابع وسلوكيات إيجابية ناشطة لها أثرها الأبلغ والأعمق في تخليق الطاغية, وتماديه في الطغيان, وتماديه في التمادي, وذلك حينما نرى الأمة تؤيد الطاغية, وتحتفي به, وتمجد أخطاءه على أنها فتح مبين في عالم الحكمة والسياسة والنهوض والتقدم, ويصبح النفاق في حياتها دينًا وديدنًا.
ذلك للتقرب من الطاغية والانتفاع بجواره, والأكل على مائدته, ولو كان فُتاتًا مغموسًا في ماء الذلة والهوان.
وقد عرض "ديورانت" في كتابه "قصة الحضارة" كيف أن نفاق الشعب هو الذي جعل من "نيرون" طاغية, مع أن نيرون- كما قال عنه أستاذه الفيلسوف سنكا- كان طالبًا مجدًا, وكان في بداية عهده رقيق النفس, رحيم القلب, شفوقًا على الرعية, حتى إنه- لما طُلب إليه مرةً أن يُوقِّع وثيقةً بإدانة أحد المجرمين- قال في حسرة "ليتني لم أتعلم الكتابة قط".
وقد خفض الضرائب الباهظة, أو ألغاها إلغاءً تامًا. وخصص معاشات دائمة للشيوخ المعوزين. ثم جاءت بطانة السوء, فنافقته, واستشرى النفاق في الشعب كله حتى وثّنوه وألهوه, ومسخوا طبيعته السوية النقية. وصدق الشاعر إذ قال:
كلّ قوم خالقو نيرونهم قيصر قيل له, أو قيل: كسرى
وأهم هذه العوامل جميعًا "الكفر باللّه", ومنازعته سلطانه, وهذا الكفر يترتب عليه إنكار الطاغية اليوم الآخر, وما فيه من ثواب وعقاب, أي أنه يعتبر نفسه القوة العلوية الوحيدة, فمن حقه أن يعربد كما يشاء, ويستبيح الدماء والأعراض والأموال كما يريد.
في كل عصر طغاة
واستقراء التاريخ الإنساني يضع أيدينا على حقيقة لم تتخلف وهي: أن التاريخ كله لم تخْل أية مرحلة من مراحله من "طاغية" أو طغاة.. قد يختلفون في الشكل والصورة والوسائل, ولكن الجوهر, والملامح الأساسية- نفسيًّا وسلوكيًّا- واحدة لا تتبدل, ولا تتغير.
ولعل "فرعون" هو الصورة النموذجية "للطاغية" على مدار التاريخ الإنساني, حتى صار اسمه مصدرًا لاشتقاق الأفعال والصفات. فمن الاستعمالات الدارجة قولهم "فلان تفرعَن" أي صار ظالمًا جبارًا مفتريًا ميت الضمير. ويقال "الناس فرعَنوا الحاكم" أي صاروا ينافقونه, ويباركون مظالمه وخطاياه, حتى عميت بصيرته, وصار- في مظالمه, ومآثمه, وجبروته وغروره- كفرعون موسي.
فرعون في القرآن الكريم
للاعتبار والاتعاظ أسهب القرآن الكريم في رسم أبعاد شخصية فرعون, فزيادة على ادعائه الألوهية نرى "البعد الاجتماعي" لشخصيته في قوله تعالي: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 4) فله مطلق الحرية في التصرف في العباد: قتلاً وسبيًا, وسجنًا, واغتصابًا, بالصورة التي يراها, بوصفه (ربهم الأعلى) الذي ما علم أن لهم إلهًا غيره.
وهذا الطغيان لا يتوقف عند الإجرام الحسي, بل يمتد إلى الجانب العقدي, الذي يرتبط "بجوانيّة" الإنسان عقلاً وشعورًا. فعليهم ألا يعتقدوا, ويعتنقوا إلا ما يعتقد, ويعتنق, ولا يؤمنوا إلا بما يرى هو أن يؤمنوا به: فالسحرة الذين جمعهم فرعون لمواجهة موسى عليه السلام, ما جاءوا إلا طمعًا في المال والدنيا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ (114)﴾ (الأعراف).
وترتفع معنوياتهم بهذا الوعد المادي, وتنفتح قلوبهم للطاغية حتى إنهم ليقسمون بعزته: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)﴾ (الشعراء).
وكما يحدث في كل عصر- وخصوصًا في مجتمعاتنا الحديثة- نرى الطاغية- من مكانه الفوقي وتشجيعًا لأنصاره- يحقر من أعدائه, ويستهين بهم, فيصف موسى ومن معه من المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54)﴾ (الشعراء).
وحينما يظهر للسحرة وجه الحق يعلنون إيمانهم بموسى ورب موسى, ويعجب فرعون- وهو رب القوة, وزعيم الأغلبية- كيف لم يستأذنه هؤلاء "المارقون" قبل أن يعلنوا إيمانهم!!!? كان هذا منطقه, أما منطق الإيمان فقد جعل من هؤلاء السحرة خلقًا آخر. إنه مشهد يتكرر بكل عناصره في كل عصر: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)﴾ (طه).
وأعود فأقول: إن "الفرعونية"- بكل عناصرها- لها وجودها في كل عصر.. قد تختلف الأشكال والأساليب, ولكنها تحمل في بطائنها نهايتها القاصمة. وإن عادت في كل عصر بثوب جديد فإن النصر بعد كل محنة ومعاناة ومواجهة يكون لفئة الحق والإيمان.
الأوتاد في الرباعية الفرعونية
تحدث القرآن عن فرعون وهامان والجنود في آيات متعددة منها قوله تعالي: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾ (القصص) وفرعون كان يقف على رأس النظام "الذي يتحكم في كل أموره حتى العقدي- كما بيَّنا آنفًا, أما هامان فكان وزيره الأول, أي على رأس السلطة التنفيذية, يتلقى الأوامر من فرعون فينفذ دون مراجعة أو نقاش حتى لو كان المطلوب صعبًا أو مستحيلاً كما نرى في الآيات الآتية: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (36)﴾ (غافر) (وانظر القصص: 83).
ونتيجة الطغيان معروفة, فقد أغرق اللَّه فرعون ومن معه, ولكن يظهر أن الغرق لم يصب "فرعون" نفسه إلا بقدر "إزهاق" روحه, وألقى الموج جسده على الشاطئ, وربما هو واحد من "المومياوات" التي عثر عليها في مصر من سنين محتفظة بجلدها وشعرها, يقول تعالى مخاطبًا فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (يونس: من الآية 92).
جهاز الأوتاد بين الأمس واليوم
فرعون, وهامان, وجنودهما.. أسماء لا خلافَ على مسمياتها ومفاهيمها, ولكن يأتي الخلاف في كلمة أخرى وهي "الأوتاد". ففرعون هو الوحيد من الطغاة الذين وصفهم القرآن بأنه (ذو أوتاد) وذلك في موضعين هما:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ (12)﴾ (ص).
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11)﴾ (الفجر).
وقد اختلف المفسرون في معنى "الأوتاد" على النحو التالي:
1- الأوتاد: الأبنية المحكمة.
2- الأوتاد هي الأهرام, أو المسلات المصرية القديمة.
3- الأوتاد هي الأوتاد الحقيقية كان فرعون يأمر بدق أربعة منها في الأرض متباعدة, ويشد إليها مَن لا يرضى عنه فرعون بحبال قوية من يديه ورجليه, وتعلق عليه الحيات والثعابين والعقارب تلدغه وتنهشه.
4- الأوتاد: المُلك القوي, والعز الثابت, والأمر المستقر.
5- الأوتاد: أعمدة كانت تدق في الأرض وتركب عليها وبها حبال يلهو بها فرعون.
6- الأوتاد: القوة والبطش.
7- الأوتاد: الجموع الكثيرة, أو الجنود, وأطلق عليهم "الأوتاد" لأن بعضهم يشد بعضًا كالوتد يشد البناء, ولأنهم يقوون أمر الملك, كما يقوي الوتد البيت.
وبعض هذه التعريفات يفتقر إلى مؤكدات تاريخية لا نملكها حاليًا, كتفسير الأوتاد بالأهرام, فالمعروف أن بناة الأهرام المشهورة ثلاثة فراعين ليس بينهم فرعون موسى.
وبعضها لا يتسق مع بلاغة القرآن كتفسيرها بأنها حبال تشد بأوتاد يلهو بها الملك. وبقية التفسيرات لا يرفضها العقل ومنطق اللغة. ولكن وصف فرعون والأوتاد بأنهم طغوا في البلاد, يُلزمنا تفسير "الأوتاد" تفسيرًا بشريًّا, أي أنهم "جهاز بشري" من أجهزة الدولة, وأن رجال هذا الجهاز (جهاز الأوتاد) أعلى سطوة من الجنود وأدنى نفوذًا من فرعون, يُستأنس لذلك "بإضافتهم" إلى فرعون "شخصيًّا" دون تبعية لغيره كهامان مثلاً, كما أن "الأوتاد" إذا ذكرت لا يذكر معها- في السياقة القرآنية- لا هامان, ولا الجنود.
وهذه "الخصوصية" والتبعية المباشرة لفرعون تجعلنا نفترض أن هذا الجهاز "جهاز الأوتاد" كان جهاز المهام الصعبة التي يرى الملك أن إنجازها ضرورة لحماية العرش, وأعتقد أنه كان الجهاز الذي يقوم بالتحسس والتجسس على الشعب وأجهزة الدولة, فهو عين الملك التي ترصد الحركات والسكنات في كل مكان كجهاز المخابرات, وأمن الدولة, والمباحث, والحرس الملكي الذي يذكرنا بالحرس الجمهوري العراقي, فهو فصيل- بل أقوى فصيل- في الجيش العراقي, ومع ذلك يذكر بصيغة مستقلة فيقال الجيش العراقي, والحرس الجمهوري, وأعتقد أن "جهاز الأوتاد" كان هو الجهاز المنوط به تذبيح الذكور من الأطفال, وغير ذلك من الجرائم التي يأمر بها فرعون.
وتعذيب المغضوب عليهم بالأوتاد والحبال المشدودة إليها وإلى الضحية يقع على الضحايا حاليًا ما هو أشد وأنكى على أيدي "أجهزة الأوتاد" في وقتنا الحاضر. ونحن ندعو فراعنة عصرنا أن يقرءوا التاريخ ليأخذوا منه الدروس والعبر والعظات.