فجأة طرأت في ذهني هذه المقولة التي كان يردِّدها المصريون البسطاء عندما تذهب إحدى كاميرات التليفزيون لتغطية حدث ما، فكان يجتمع عليها الأهالي ويهتفون: "يا مرحب بالتليفزيون في بلدنا" لا أعرف لماذا وجدت نفسي أردِّد هذه المقولة، ولكن مع تحريفٍ بسيط، وهو "يا مرحب بالطوارئ في بلدنا" وجدتني أردِّدها وأنا أشاهد ما يجري بالإسكندرية، وتخيَّلت الحكومة تقول بعد شهرٍ من الآن- وهي تقدِّم مشروعَ قانون لتجديد العمل بقانون الطوارئ- إن ما حدث في الإسكندرية وقبله ما حدث في حزب الوفد- والله أعلم بما يمكن أن يحدث خلال هذا الشهر- يحتم علينا استمرار العمل بقانون الطوارئ حمايةً لمصر واستقرارها.

 

لا أعرف لماذا أنا متشائمٌ لهذه الدرجة، إلا أن ما شاهدته في الإسكندرية أثناء عملية فضِّ الاعتصام أمام كنيسة القديسيين مكليموس وإسطفانوس جعلني أشعر بالقلق على وطني مصر، فكان باستطاعة قوات الأمن إنهاء الموضوع من بدايته وعدم تحمل هذه الفاتورة التي دفع تكلفتها اثنان من المواطنين.. أحدهما قبطي والآخر مسلم، كما أصيب أكثر من 33 مواطنًا، هذا بالإضافة لزيادة حالة الاحتقان غير المبررة، والتي وصلت لحدِّ العنصريةِ في الشعاراتِ التي ردها الأخوة الأقباط، وكأنها شعارات للعند وإثبات الوجود، هذا كله جال في خاطري وطرأ السؤال الأزلي: مَن المستفيد بما يجري؟ ووجدت الإجابة تصل بي إلى محطة واحدة وهي السلطة القائمة التي تشعر بالحرجِ من استمرار قانون الطوارئ وفي الوقتِ نفسه تخشى من إلغائه، في حين ما زال ترزية القوانين محتارين في شكل قانون الإرهاب الجديد، ولذلك لم أستغرب النتيجة عندما تكون كل دلائلها تؤدي إليها، فهل يمكن أن يقنعي أحدٌ أن قوات الأمن لم تكن قادرةً على فض الاشتباك الذي جرى في حزب الوفد، وكيف تقف أجهزة الأمن متفرجةً ومشاهدةً لقنابل المولوتوف والإصابات التي حدثت بالعشرات نتيجة إطلاق الذخيرة الحية، وعندما سأل البعض أجهزةَ الأمن: لماذا لا تتحركون كانت الإجابة "ليس لدينا أوامر" وبعد أقل من 16 يومًا يتكرر الحدث، ولكن هذه المرة في الإسكندرية وبين فصيلي الأمة، وبين الواقعتين هناك مَن يدبِّر ويفكِّر ويخطِّط لإيجادِ تبريراتٍ كفيلةٍ لا تحرج الدولة في تجديد قانون الطوارئ، ولو صحَّ ذلك فإن مصر باتت في مرحلةٍ خطيرةٍ وفي موقفٍ عصيبٍ حيث أصبح أمرها في يد أشخاص لا يفكرون إلا في الاستمرار والبقاء مهما كانت التكلفة.

 

وإذا كانت مصر مقبلةً- وفقًا لهذه المقدمات- على مرحلة من الأنانية السياسية، فإنه لا داعي لذلك كله، وعلى الحكومة أن تتَّخذَ خطواتِها في تجديدِ هذا القانون حمايةً لمصر وأبنائها، فالشعب استحمل الكثير، وأرقام الانهيار الاقتصادي مخيفةٌ ومفزعةٌ، والرشوة والمحسوبية والفساد وصلت لحدِّ قيام أعضاء بارزين في الحزب الوطني بالضغط على البرلمان لتجميل تقرير لجنة تقصي الحقائق حول غرق العبارة حتى لا يطال الأمر مسئولين كبارًا.

 

ما سبق لم تكن مطالبة للحكومة بإخراج الأمر بصورة واضحة، ولكني أردت أن أقول للحكومة إن تدبيرك مفضوحٌ ومكشوفٌ، وعلى مَن يدبِّر ويفكِّر أن ينظر إلى مصر بأن فيها عقلاء، وأن ما يقوم به سيخرج عن سيطرته، ووقتها سيكون أول مَن يبتلعه الطوفان؛ لأن القضية ببساطة أن الضرب تحت الحزام من أجل مصلحة شخصية فاق كل تصور، وأنَّ اللعبَ في أمعاء الوطن سيؤدي إلى نتائجَ غيرِ محمودة، وعلى الحكومة أن تعيد تفكيرها وطرقها وأن تحترم الشعب الذي تحكمه، وألا تعامله على أنه (بنت قاصر) لا تستطيع أن تتولى أمورها، وعلى الحكومة والنظام أن يعيا أن مصر اختلف حالُها من ثلاث سنوات مضت، وأن هناك إصرارًا من الشعب ومختلف فصائله بألا يمرَّ هذا القانون مرورَ الكرام، وحمى الله مصر من المتلاعبين بأمنها واستقرارها.

-----------

* مدير تحرير إخوان أون لاين