- المصدر: جريدة (نيويورك تايمز) الأمريكية
- العنوان: المسيحيون يتعاملون بلغة الاستشهاد
- الكاتب: (أسوشييتد برس)
ترجمة- حسين التلاوي
تصاعَد استخدام المسيحيين في الغرب لكلمة "الاستشهاد" لوصف مقتل المسيحيين على يدِ المسلَّحين في الفترة الأخيرة في العديد من بقاع العالم ومن بينها العراق، وهو الاستخدام الذي تقف وراءَه بعض القوى المسيحية؛ من أجل حشد العالم المسيحي ضد الإسلام وبدء ما يسمى "صراع الحضارات".
وفي السياق نشرت جريدة (نيويورك تايمز) الأمريكية تحليلاً إخباريًّا يحاول التعامل مع هذه الظاهرة، وأشار التقرير إلى وجود العديد من الخلافات حول مفهوم "الاستشهاد" في العقل المسيحي العام وحتى بين المتدينين المسيحيين، ويؤكد التقرير أن مفهوم الاستشهاد في الإسلام يتلخص في مقتل الشخص بسبب الدفاع عن عقيدته الدينية أو في سبيل مبادئ من مبادئ الدين، ويشير إلى أن المفهوم عاد للتداول في التاريخ الإسلامي الحديث على يد الإخوان المسلمين وخاصةً في سبيل القضية الفلسطينية.
وفي السياق فإنه من المهم أن ندرك أنه في ظل التوسع الراهن في استخدام هذا المصطلح ومصطلحات أخرى في الغرب ذات صلة فإن المسألة توضح تغلغل التيار الديني في الحياة السياسية والفكرية والثقافية هناك، وأن مواجهتهم للإسلام والمسلمين إنما هي ذات أساس ديني عبَّر عنه الرئيس الأمريكي ذاته بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، عندما وصف الحرب على ما يسمى بـ"الإرهاب" بأنها "حرب صليبية جديدة"، فيما ينكرون على المسلمين الدفاع عن دينهم ومقدساتهم بحياتهم.
وفي ظل المناقشات الراهنة في العالم العربي والإسلامي وكذلك في العالم الغربي حول قضية المقاومة وسلاح الاستشهاد فقد رأى موقع (إخوان أون لاين) أنه من المناسب في هذه المرحلة الاطلاع على ما يدور في العقلية الغربية وخصوصًا الأمريكية في صدد هذه المسألة.. فإلى نص التحليل:
المسيحيون ولغة "الاستشهاد"
بعد ما قتلت قوات الأمن السعودية زعيم تنظيم القاعدة في المملكة نشر مؤيدوه رسالةً امتدحوه فيها بوصفه "شهيدًا"، وقبل أسبوع استخدمت جماعةٌ مسيحيةٌ ذات الكلمة لوصف أحد ناشطي السلام المسيحيين الذين عثروا عليه مقتولاً في العاصمة العراقية "بغداد".
هاتان النقطتان توضحان كيفية تسلل صراع الغرب مع الإسلام إلى الرؤى المختلفة لفكرة الاستشهاد الديني، ويمكن لبعض المسيحيين قبول دلالات كلمتَي "الضحية" و"البطل" التي يستخدمها المسلمون ولكن بالصورة التي تقول إن الدين الآخر هو الطرف الظالم الذي يمارس الاضطهاد.
ويقول المدير المساعد لدورية (إيكليزيا)- التي تتخذ من لندن مقرًّا لها وتختص بالاتجاهات الدينية والاجتماعية جوناثان بارتلي-: "في كل مرة يتحدث فيها الإسلاميون عن المفجِّرين الانتحاريين كـ"شهداء" نجد لذلك صدًى في المسيحية".
ويعلق بارتلي على استخدام بعض المسيحيين لتعبير "الشهداء" لوصف المسيحيين الذين قُتلوا على يد المسلمين قائلاً: "هناك تطرفٌ في طريقة استخدام بعض الجماعات المسيحية لفكرة الاستشهاد".. إنه صراع ساهم في تصعيده استخدام شبكة الإنترنت وقدرتها على نقل وجهات النظر في لحظة واحدة.
عشراتٌ من مواقع الإنترنت المسيحية- بما فيها المواقع التي تنتقد الإسلام- استَخدَمت تعبير "الشهيد" لوصف ناشط السلام الأمريكي توم فوكس الذي عُثِر على جثته في العراق وقد اخترقها الرصاص يوم 10 من مارس الحالي بعد أن اختطفته جماعةٌ تطلق على نفسها "كتائب سيوف الحق"، وقد تم تحرير رفاقه في حركة فرق صناع السلام المسيحيين يوم 23 من مارس في غارة بريطانية- أمريكية، وقد ناشدت المنظمة المسيحيين عدم استخدام مقتل فوكس للتعريض بالمسلمين قائلةً في بيان لها: "ندعو كل الأشخاص إلى عدم تشويه سمعة الآخرين أو ذمهم".
وفي فبراير كان هناك حدثٌ أقوى من ذلك، عندما لقي القس الكاثوليكي الإيطالي آندريا سانتورو مصرعه عندما أُطلق عليه النار أثناء أدائه الصلاة في كنيسة تطل على البحر الأسود في تركيا، وتقول التقارير إن القاتل البالغ من العمر 16 عامًا حرَّكته مشاعر الاحتجاج على الرسوم المسيئة للرسول- عليه الصلاة والسلام، ونعى كبير بعثة الفاتيكان الدبلوماسية لتركيا رئيس الأساقفة أنتونيو لوتشيبيللو القتيل كـ"شهيد جديد لهذه الألفية".
في السنوات الأخيرة بدأت الجماعات المسيحية بصورة متزايدة في استخدام تعبير "الشهداء" لوصف الحالات الأخرى، والتي تتضمن ما وقع في العام 2004م، من ذبحٍ للمخرج الهولندي ثيو فان جوخ وغيره من ضحايا العملية (الإرهابية) الرئيسة.
يقول جيريمي سيويل- المحلل السياسي في المؤسسة الدولية المسيحية الربيع الفضي التي تُعنى بحالات الاضطهاد التي يتعرض له المسيحيون-: "هناك اعتقاد متزايد لدى المسلمين بالجهاد ضد المسيحيين، وهذا يجعل الصراع حادًّا حول من هو الشهيد".
في الإسلام تعود فكرة الاستشهاد إلى فترة اضطهاد المسلمين أثناء تثبيت الدعوة في القرن السابع الميلادي، ثم ارتبطت في القرن العشرين بالحركات الإسلامية التي تدعو إلى الاستشهاد، مثل الإخوان المسلمين في مصر ومن بعدها الفصائل الفلسطينية.
في فترة نهاية الحرب الباردة اتخذت التوترات المسيحية- الإسلامية منحنى حادًّا، وهو ما وضح في الاضطرابات الطائفية التي شهدتها إندونيسيا في العام 1996م، ومقتل 7 من الرهبان الفرنسيين في الجزائر على يد مسلحين إسلاميين.
وعلى الرغم من أن هذه الحالات تبدو صادمةً، إلا أن مؤسس حركة "سانت إيجيدو" في روما آندريا ريكاردي يُعرب عن قلقه من أن مفاهيم الاستشهاد المسيحي قد تتحول إلى مفهوم لضرب الإسلاميين، ويقول: "هل كل مسيحي سعى إلى الرد على (العنف) يُعتبر شهيدًا؟ لا.. إن الشهيدَ المسيحيَّ لا يرغب في الموت أو يطلبه للآخرين".
كما تقول الأستاذة المساعدة للأديان في كلية برنارد إيزابيث كاستيللي والتي تدرس القضية: "إن بعض الجماعات المسيحية- وخاصةً الإنجيليين المحافظين- يستخدمون تعبير الاستشهاد من أجل إثارة الاتهامات حول الإسلام"، وتضيف: "إن القضية ليست ما إذا كان الانتحاريون الاستشهاديون شهداء أم لا.. القضية هي أن الناس يعتبرونهم شهداء"، وتتابع قائلةً: "إن بعض المسيحيين يرون أن من أساس مسيحية الشخص أن يتعرض للاضطهاد، وبالتالي فإن الشخص لا يكون مسلمًا ما لم يتعرض إلى خطر الاستشهاد".
أغلب الطوائف تتفق على أن مفهوم الاستشهاد ارتبط بالمسيحيين الأوائل الذين ماتوا بسبب اعتناقهم المسيحية، إلا أن الأمر تطوَّر بصورة أكثر تعقيدًا في الأيام التي تلت ذلك، فقد عانى مسيحيون على يدِ رفاقهم المسيحيين في محاكم التفتيش خلال فترة الإصلاح البروتستانتي وغيرها من الفترات، كما تُعرِّف بعض الكنائس المسيحية "الشهيد" على أنه المسيحي الذي مات بسبب انتمائه الديني، وهو التعريف الذي يمنح هذه الصفة لرموز مثل مارتن لوثر كينج والمناهض لسياسة الفصل العنصري الأبارتايد ستيفن بيكو، وتقدر الجماعات التنصيرية عدد المسيحيين المعرضين لنوع من الاضطهاد في العالم بحوالي 200 مليون شخص.
وفي جنازة القس القتيل سانتورو قال الكردينال كاميليو رويني: إن كل عناصر الاستشهاد تجمعت في سانتورو، وعبَّر الكاردينال كاميليو رويني عن أمله في منح رتبة القداسة للقسّ القتيل، إلا أن القوة الدافعة لهذا الاقتراح تراجعت في الفاتيكان؛ وذلك لوجود احتمالات أن يكون القاتل مختلاًّ عقليًّا أو نفَّذ الجريمة لدوافع إجرامية، وهو الأمر الذي تنتفي معه صفة "الاستشهاد".
في افتتاحيتها حذرت جريدة (كورييري ديلاسيرا) الإيطالية من الإسراع في إصدار الأحكام في "هذا الجو المسموم"، الذي يرى البعض فيه أن هناك "حصارًا إسلاميًّا حول العالم المسيحي"، وتقول الافتتاحية: "في هذا المناخ سيكون من السهل السقوط في فخِّ صراع الحضارات".