العلاقة بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين تمر بمراحل متتالية، دون تغيير جوهر السياسة المتبعة بينهما، فالحكومة تريد تحجيم الجماعة في حدود معينة، والجماعة تحاول المحافظة على تواجدها، وتحاول تجاوز تلك الحدود، والنظام الحاكم يحاول إرجاع الجماعة إلى الحدود التي وضعها لها، والمطلوب من جانب النظام الحاكم هو تجميد وجود الجماعة داخل إطار معين، والجماعة تحاول اختراق هذا الإطار لتحقق مشروعها الشامل.
وعبر فترة الثمانينيات من القرن العشرين رأى النظام ترك الجماعة لتعمل بحرية بدون تدخلات كبيرة منه، واستمر هذا الوضع حتى عام 1992م؛ حيث ظهر ما يُعرف بقضية "سلسبيل"، وكان تصور النظام أنَّ ترك العمل بحرية لجماعة الإخوان المسلمين سيؤدي إلى وجودها في إطار محدد، ولم يكن هذا التصور دقيقًا أو مبررًا، فأي جماعة تعمل بين الناس يمكن أن يزدادَ انتشارُها أو يقلَّ حسب مدى قبولها بين الناس، ولا يوجد نشاط عام محدد النتائج سلفًا، كما لا يوجد تيار ما يعمل في إطار حدود مفترضة.
وفي قضية "سلسبيل" عثر النظام الحاكم على خطة الإخوان للوصول إلى الجماهير، وقياسهم لوجودهم الجماهيري، وتوقعاتهم عن انتشار هذا الوجود، بجانب حسابهم لكتلة الأصوات المؤيِّدة لهم في انتخابات عام 1987م، وتقديرهم لتلك الكتلة في المستقبل، ومتى يصلون إلى كتلة أصوات تمكِّنهم من تحقيق الأغلبية البرلمانية، واعتبر النظام الحاكم أن تلك الوثائق تؤكِّد عدم التزام الجماعة بالحدود التي وضعها لها، وكأن هناك اتفاقًا بين النظام والجماعة على تلك الحدود!! ولكنَّ النظام كان يظن عدم منافسة الجماعة له في الحكم، وبالتالي اعتبر أن الجماعة لا تهدف للوصول إلى هذا الخط الأحمر.
واعتبرت وثائق "سلسبيل" خروجًا على عهد مفترض بين النظام والجماعة، وهو قائم على تحرك الجماعة داخل حدود لا تمكنها من الوصول للحكم، ولا توجد وقائع محددة تشرح كيفية التوصل إلى هذا الاتفاق، والغالب أنه كان نوعًا من التوافق الضمني، ولم يكن بحال اتفاقًا مباشرًا صريحًا، ولكنَّ النظام- بعد عام 1992م- بدأ في وضع إستراتيجية أمنية في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، تمكِّنه من فرضِ حدٍّ على نشاط الجماعة؛ بحيث لا تتمكن من الوصول إلى السلطة أو الأغلبية البرلمانية، وبالتالي لا تتمكن من منافسة النظام الحاكم.
ومنذ عام 1995م، بدأ النظام في إستراتيجية الإجهاض المبكر، والتي تقوم على إجهاض ما تحققه الجماعة من نشاط على أرض الواقع، من خلال الضربات المتتالية بهدف إجهاد الجماعة ومنعها من تحقيق تراكم حركي لنشاطها، وفي المقابل كانت الجماعة تحاول تفادي المواجهة مع النظام، وفي نفس الوقت تستمر في تحقيق الوجود الاجتماعي المؤثر؛ مما يمكنها من تحقيق رصيد تراكمي لها في الشارع المصري، واستمرت الضربات الأمنية في النقابات والجامعات ومختلف مجالات النشاط، واستمرت أيضًا إستراتيجية الإخوان- والتي تقوم على دفع نشاطها حتى مرحلة معينة- ترى أنها تؤدي إلى تصعيد المواجهة مع الأمن، وعليه فهي تهدِّئ من تحركها تفاديًا للتصعيد، ثم تعيد الكرة مرةً أخرى.
![]() |
|
نواب الإخوان في برلمان 2000 |
وفي انتخابات عام 2000م، ظهر وجود جماهيري لجماعة الإخوان المسلمين، أشار ضمنًا إلى فشل السياسة الأمنية القائمة على فكرة تحجيم نشاط الجماعة، وبالتالي تحجيم وجودها الجماهيري، ولكنَّ النظام الحاكم لم يفهم- على وجه الدقة- رسالةَ انتخابات عام 2000م، وتصوَّر أن النتائج المتواضعة للجماعة- والتي تمثلت في فوزها بسبعة عشر مقعدًا- تدل على وجود الجماعة الجماهيري في إطار محدود، ولم يفهم أن تلك النتائج كان لها علاقةٌ بالتزوير من ناحية وبحرص الجماعة على عدم تحقيق مفاجآت من ناحية أخرى.
وتجيء انتخابات مجلس الشعب في عام 2005م، لتقلبَ كلَّ التقديرات السابقة، فقد ثبت أن الجماعةَ استطاعت تحقيق تراكم حقيقي لقواعدها الجماهيرية خلال العشرة الأعوام التي شهدت سياسة الأمن لتحجيم الجماعة، ومعنى ذلك أن منهجَ الأمنِ في التعام
