لو لم يحسب لجريدة العربي الناصري دور في السنوات الأخيرة الماضية في حياتنا العامة إلا الدور الوطني النبيل الذي قامت به في المساهمة بقدرٍ كبيرٍ من الجهدِ في تضييق مساحات الخلاف بين التيار الإسلامي والتيار القومي.. لو لم يحسب لها إلا هذا الدور فقط.. لكفى.. إلا أننا لا نستطيع أن نغمط أسرة التحرير والسادة كُتَّاب المقالات حقهم من الإنصاف والإشادة كون الجريدة ساهمت بقوةٍ وشجاعةٍ في تحريرِ العمل العام من قيودٍ كثيرة.. كادت تضاف إلى مكونات حياتنا الطبيعية!.
والحقيقة أنه ما من شيء تحتاجه الأمة كلها ومصر تحديدًا أكثر من تعاون كل القوى الوطنية تعاونًا قويًّا محترمًا.. ضمن ميثاق شرف يتم فيه الاتفاق على الأولويات ذات الأهمية والأولوية القصوى للوطن.. ولا أعتقد أن هناك مَن يختلف عليها.. وهي مواجهة الاستبداد والفساد وهما بلغا مرحلةً مهددةً تهديدًا حقيقيًّا لسلامةِ البلاد وأمنها القومي بدرجةٍ لم تحدث في مصر منذ وقتِ تأسيس محمد على للدولة المصرية الحديثة.
الماضي مضى كما يقولون ولن يكون بأي مقياس أسوأ مما نحن فيه الآن على كل مستويات حياتنا سياسيًّا واقتصاديًّا وتعليميًّا واجتماعيًّا وحالة التفسخ العام والتيه العام والاكتئاب العام التي نراها على وجوه الناس الطيبين في الشوارع والطرقات تجعلك تتصور أن هؤلاء ليسوا هم المصريين الذين تعرفهم الدنيا وعرفهم التاريخ وكأنَّ أفواههم تتهامس بكلماتٍ ممزقةٍ مبتورة كان حلمي أن يزول الهمَّ عني وليست هذه مصر التي تعرفها الدنيا وعرفها التاريخ مصرخة اللهيف وملجأ المتفزع والحاضر ضاق وبدأ يزداد ضيقًا بما قد يصعب احتماله والصبر عليه.. وكل مَن يطالع تاريخ مصر يعرف أن المفاجأة كانت هي العامل المشترك في كل المرات التي نفض فيها المصريون عن أنفسهم غبار الذل والفقر والمهانة.
والمستقبل إن شاء الله ملك لنا كلنا نحن أبناء هذا الوطن بكل توجهاتنا السياسية ضمن إطار من التوافق العام والتراضي العام نتظلل فيه جميعًا بمظلة العدل والحرية والوفر.. تلك المفردات التي طال حرمان المصريين الطيبين منها كأنهم ليسوا من بني البشر.
أقول هذا وأنا أرى الحصار الحديدي الذي تفرضه أمريكا وحلفاؤها على المنطقة أخذًا في التفكك والذي يرى ورطتهم في العراق الآن واضطرابهم أمام إيران والخلخلة السياسية التي تزداد كل يوم في إسرائيل سواء على مستوى السياسة أو على مستوى تغيير مواقع القوى الوطنية الفلسطينية.. وأضيف إلى ذلك حجم الغضب الذي عمَّ البلاد العربية والإسلامية تعبيرًا عن صونهم لدينهم ونبيهم- صلى الله عليه وسلم- والتي شكَّلت مفاجأةً لمراكز صناعة الفكر في الدول الغربية، وأضافت عناصر جديدة لملامح الصورة التي في أذهانهم عن ما نستطيعه وما لا نستطيعه وهو للأسف المنطق الذي يتعامل به الغرب مع غيره من البشر.. الذي يرى كل هذا الآن يدرك يقينًا أنَّ المستقبلَ إن شاء الله العلى القدير لنا.
المؤسف غاية الأسف في هذا المشهد كله هو موقف نظام الحكم في مصر.. هذا النظام الذي يتحرك الآن خارج سياق التاريخ تمامًا.. وقد صمَّ آذانه وأغمض عينيه عن الانتباه والاستماع لأي نصيحةٍ يُقصَد بها سلامة الوطن واستقراره وصون كرامة الناس فيه من الفقر والتخلف.. وكلما ازدادت عليه الضغوط من الخارج، ازداد تباعدًا عن القوى الوطنية في الداخل بل وازداد شراسةً وغطرسةً في التعامل معها.. مع أن دواعي التفكير المبنية على المصلحةِ المجردة ليس فقط على المصالح الوطنية العليا تجعل الاستناد إلى الداخل الوطني والاحتماء بجدرانه المتمثلة في مثقفيه وسياسييه وأبنائه الطيبين هو الأولى.. ولكن للأسف الشديد كمَّ الفساد والاستبداد الذي ران على قلوبهم مع قصر نظر وعناد لم نر له في تاريخ مصر الحديث ولا القديم مثيلاً.. جعلهم لا يستطيعون التمييز بين الأشياء.
كل ما أرجوه وأدعو إليه من خلال جريدة العربي وهي تكمل عددها الألف.. أن تجتمع كلمتنا جميعًا كقوى وطنية لصون هذا الوطن العزيز علينا جميعًا.. ولا أتصور أن الوقت الذي نعيشه يحتمل الحديث عن أجندات خاصة وأولويات خاصة لقوة سياسية بعينها أو حزب بعينه.. وقد قرأنا في كتب الفقه عمَّا يعرف بحق الوقت.. حيث يكون درء المفاسد والأضرار مقدم في الأولوية والاهتمام على جلب المنافع والمصالح.. وأجدها فرصةً مناسبةً لأن أقول إن الإخوان المسملين يمدون أيديهم بكل شرفٍ وقوةٍ لكل القوى الوطنية من اليسار الوطني واليمين الليبرالي إلى تلك الأصوات الشريفة التي نسمعها ونقرأ لها والمحسوبة خطأ على نظام الحكم.. فلنقترب ولنتفق.. فلا خيرَ فينا لمصرنا الحبيبة إن لم يكن هذا اليوم قبل ضحى الغد.
----------
* عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين- الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب