د. إبراهيم عوض

 

لمصطفى صادق الرافعي الكاتب والشاعر المعروف كتابٌ بعنوان "تحت راية القرآن" كان في الأصل مقالات في جريدة "كوكب الشرق" ردَّ فيها على ما قاله طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" الصادر عام 1926م والذي سُحِب من الأسواق إثر هذه المقالات الرافعية التي فضحت ما فيه، ثم أُعِيد طَرحُه العام الذي يليه بعنوان "في الأدب الجاهلي" بعد أن حُذِف منه ما يسيء للقرآن الكريم وللإسلام وأُضيفت إليه عدةُ فصول جديدة.

 

 وقد تناول الرافعي في هذه المقالات طه حسين وكتابه المذكور من عدة جوانب، بيد أنني سأقتصر هنا على مناقشة ما قاله في دين الرجل، وهو نفس الموضوع الذي أثاره الكتَّاب والمعلقون في جريدة "شباب مصر" في الأسابيع الأخيرة، وذلك بغية مزيد من التوضيح لبعض ما قالوه في هذا الصدد.

 

"لن نكتفي هنا بترديد رأي الرافعي في طه حسين، بل سنعرضه على النصوص ونقلِّبه على كل وجوهه.

 

 وأريد أن أصارح القارئ منذ الآن بأن العلم لا يعرف تلك الحساسيةَ التي تصيب بعض الناس حينما يرون مَن ينتقد هؤلاء الذين يعظّمهم، وتدفعهم إلى القول بأننا ينبغي ألا نتعرض لإيمان هذا الشخص أو ذاك، على أساس أن هذا تدسُّس إلى القلوب نَهَى عنه الإسلام.

 

 إن هذا الاعتراض يصح لو أن الباحث يرجم في هذه القضية بالغيب، لكن إذا كانت هناك نصوصٌ مقطوعٌ بنسبتها إلى قائلها لا يمكن تأويلها، فمعنى ذلك أن للباحث الحقَّ في دراسة الأمر، وقد سبق أن تناول كثيرٌ من الدارسين عقائدَ أمثال يزيد بن الوليد وابن المقفَّع والمتنبِّي والمَعَرِّي والحاكم بأمر الله، فلم نسمع مَن ينكر عليهم، فلِمَ الكيل بمكيالين إذن؟ أيَّا ما يكن الأمر فإننا هنا بصدد تناول رأي الرافعي في عقيدة طه حسين، وهذا الرأي جزءٌ من تراثنا الفكري والأدبي، ولا أظننا نكون أمناء لو أَهَلنا التراب عليه، كذلك فإننا لا ندَّعِي أن ما سنصل إليه من نتائجَ هو كلامٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا يقول هذا إلا جاهلٌ أو مغرورٌ، وإنما هو اجتهادٌ علمي قد يصح وقد يخطئ، وإذا كان طه حسين قد رأى أن من العلم أن يقول ما قال في القرآن الكريم، فلماذا نعيب الرافعي إذا رأى في موقف طه حسين هذا رأيًّا؟

 

إن الرافعي يرى أن طه حسين أداةٌ أوروبيةٌ استعمارية، غرضها توهين عُرَى الإسلام(تحت راية القرآن/ ط3/ مطبعة الاستقامة/ القاهرة/ 1953م/ 186) (ص/ 199)، ويأخذ عليه أنه لم يصلِّ على النبي مرة واحدة في كتابه ولو بحرف "ص" كما يفعل نصارى العرب (ص/ 207)، ويسميه: "المبشر طه حسين" مرة، و"المستر حسين" أخرى (ص/ 122، 177)، ويشبّه الجامعة (في مجال العلم) بمستشفيات المبشِّرين (في مجال الطب) (ص/ 145)، ويكنّيه "أبا مرجريت" و"أبا ألبرت" (ص/ 200، 344، 373)، ويشير إلى دور زوجته في حياته وتأثيرها عليه (ص/ 349)، ويتهمه بالزندقة (ص/ 129- 130)، وبالإلحاد (ص/ 214، 216، 218) ، ويورد أيضًا اتهام الشيخ مفتاح له بأنه كافرٌ وتحديه له أن يقاضيه (ص/ 242- 243)، وهو من ثم يدعو إلى إبعاده من الجامعة وحماية النشء من أفكاره (ص/ 188)، ويحرِّض عليه وزارة المعارف لأنه، كما يقول، يناقض بآرائه ما يقال للطلبة في كتبها ومدارسها، والمفروض في نظره ألا يكون هناك تناقض، وإلا فعليها أن تعلن صحة آرائه وتتابعه عليها (ص/ 171).

 

وحين يدافع أحمد لطفي السيد عن طه حسين على أساس حرية الفكر يردّ الرافعي بأنه لا ينازعه في معاني حرية الرأي وأشباهها، ولكن النزاع في الجدل والكفر (ص/ 314، وإن كان ظاهر كلامه قد يوحي بغير هذا). ومن هنا نراه يهاجم حرية الفكر إذا أدت إلى الكفر وتقطيع الأرحام (ص/ 306)، وإن عاد فسلَّم للجامعة بحرية الكفر لا الفكر فقط (يأسًا منه، فيما هو واضح، أن يُصِيخ المسئولون في الجامعة إليه في هذه النقطة)، وركز على "الغلطات التاريخية والأدبية التي وقع فيها أستاذها" (ص/ 273).