ربما كان الحدث الأكثر حضورًا وبروزًا على شاشاتِ التلفزةِ العربيةِ والعالمية، لحظة اقتحامِ العدو الصهيوني لسجنِ أريحا لاعتقالِ سعدات ورفاقِه، هو ذلك المشهد "المذل" لعناصر الأمن الفلسطيني "وهم شبه عراة" بعد أن طلب العدو منهم ذلك!! في سيناريو متكرِّر لما حدث عام 2002، لحظة اقتحام الصهاينة لمخيم جنين؛ حيث صَمد رجال المقاومة الفلسطينية لمدة 9 أيام متتالية في وجه الغطرسة الصهيونية، في حين أن الأجهزةَ الأمنيةَ الفلسطينيةَ كانت قد سلَّمت أسلحتَها وملابسَها قبل ذلك بأيام!!
وهنا أطرح سؤالاً ملحًّا وهو: ما قيمة عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية إذا كانت تعريتُهم من سلاحهم أو حتى من ملابسهم تعتبر مسألةَ وقتٍ بالنسبة لليهود؟! ومن يتحمل وزرَ الذي حدث يا "أبا مازن"، إذا كنت تقول بأن السلطة لا علمَ لها بالأمرِ من قريبٍ أو بعيد؟!، في حين كنَّا ننتظر منك ردًّا قويًّا يوازي "الفاجعة" بإعلانِ استقالتِك من رئاسةِ السلطةِ التي كانت المستهدفَ أولاً وأخيرًا؟! ولكنَّ شيئًا من هذا لم يحدث!
وهنا أتساءل: أين اختفى الريحاوي صائب عريقات، وهو نائب عن مدينة أريحا- المدينة المستهدفة- طوال ساعاتِ الاقتحامِ، والتي استمرَّت إلى ما يقرب من 15 ساعةً متواصلةً؟ ولماذا أيضًا تأخَّر قرارُ عباس بالعودةِ إلى الأراضي الفلسطينيةِ وقطع زيارته لأوروبا حتى بعد اعتقال سعدات.. أي بعد انتهاء الساعات المذكورة؟!
ثم لماذا لم تظهر سياراتُ "الجيب" العملاقة الفلسطينية- ولأول مرة فقط- إلا حينما قامت باقتحام غزة بُغيةَ سحبِ سلاحِ الفصائلِ المقاوِمةِ الفلسطينية وحتى هذه أحرقها الفلسطينيون بأنفسهم، في حين لا تختفي الأسلحةُ البيضاءُ من أيدي عناصرِ الشرطةِ الفلسطينيةِ حينما يكون الطرفُ الآخر صهيونيًّا؟!
مما لا شك فيه أن الإجراءَ الصهيوني غير المُبرَّر يأتي في سياقِ سلسلةِ الإجراءاتِ المُهِينةِ والضاغطةِ على الشعبِ الفلسطيني بعد انتخابِه لحركةِ حماس؛ فبعد التهديداتِ الغربيةِ والصهيونيةِ بوقف المساعدات عن الشعب الفلسطيني جاء هذا الفعلُ؛ للإمعان أكثر في إذلالِ هذا الشعبِ الجبَّار من خلالِ الصورِ التي شاهدها العالم لأجهزته الأمنية- هيبة السلطة- وهم حفاةٌ عراةٌ بلا نصيرٍ ولا معين!
ثم أودُّ أن أعرف حقيقةً.. ما الوزر العظيم الذي فعله سعدات ورفاقُه الستةُ حتى يتمَّ اعتقالُهم طوالَ هذه المدة، حينما قاموا بالانتقامِ من اغتيالِ (أبو علي مصطفى)- وهو بالمناسبة أول سياسي فلسطيني يتم اغتيالُه أثناء انتفاضة الأقصى- باغتيالهم للمجرم رحبعام زئيفي صاحب نظرية "الترانسفير" والطرد الجماعي للفلسطينيين من كامل الضفة الغربية وقطاع غزة؟!.
ولمصلحةِ مَن تقوم الأجهزةُ الأمنيةُ الفلسطينيةُ باعتقالِهم أثناء عمليةِ الاغتيالاتِ السياسيةِ والوضع المتأزم حينها؟! وماذا تقول الآن القيادة الفلسطينية بعد أن رفضت- ولا زالت- تطبيق قرارِ محكمةِ العدلِ العليا الفلسطينيةِ القاضي بالإفراجِ الفوري عن سعدات ورفاقِه؟!
ثم ألا يعتبر ما حدث انتهاكًا صارخًا لجميع الاتفاقياتِ الموقَّعةِ بين الجانبِ الفلسطيني والغربي من جهة والجانب الصهيوني من جهة أخرى بعدم المساس بسعدات ورفاقِه أثناء وجودهم في سجن أريحا؟ وبعد ذلك.. ألا يشكِّل ما قام به الصهاينةُ ردًّا مزلزلاً على أولئك الذين يطالبون حركةَ حماس بالاعترافِ بهم وإعلانِ احترامها للاتفاقيات الموقَّعة معهم؟!
وبعد هذا وذاك يثبت لنا بأن "ملة الكفر واحدة".. بعد أن اتضح تواطؤ الحكومتين البريطانيةِ والأمريكيةِ في عمليةِ تسليمِ سعدات للعدو المحتل، وعليه فإنه من المفترض الآن أن يتمَّ وقف كافةِ المشاوراتِ والحواراتِ مع الأمريكانِ والبريطانيين وبشكلٍ فوري وقاطعٍ حتى يتمَّ توضيح وتفسير ما حدث.
إن ما قام به العدو الصهيوني في سجن أريحا واعتقاله الإجرامي لأحمد سعدات يعتبر بمثابةِ طَرْقِ آخرِ مسمارٍ في نعشِ عمليةِ السلام التي ترقد اليوم في ذاتِ المكانِ الذي يرقد فيه شارون، وإن إطلاق رصاصة الرحمة على عمليةِ السلام هذه جاء من الطرف الصهيوني كما في كل مرة، ومن يقول عكس ذلك فإنه بالضرورةِ يعكس تصورًا غيرَ محمودٍ يناقض المصلحةَ الفلسطينيةَ.. فهل نعي الدرس؟!