قبل دقائق من اجتياح الجيش الإسرائيلي سجن أريحا انسحب المشرِفون البريطانيون والأمريكيون، الذين كانوا يحرسون السجنَ بموجب اتفاق أُبرم عام 2002 بين السلطة الفلسطينية من ناحية وكلٍّ من بريطانيا والولايات المتحدة من ناحية أخرى، وقد تم التوصل إلى هذا الترتيب بعد أن حاولت إسرائيل القبضَ على أحمد سعادات (الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) عقب اغتيال الجبهة لوزير السياحة الإسرائيلي زئيفي ردًّا من الجبهة على اغتيال إسرائيل للأمين العام السابق للجبهة أبو علي مصطفى.

 

وكان الجدل قد ثار بين عرفات وإسرائيل؛ حيث أصرَّ عرفات على محاكمته أمام القضاء الفلسطيني، بينما أصرت إسرائيل على استلامه ومحاكمته أمام القضاء الإسرائيلي، الذي يطبق العدالة الإسرائيلية، وهي جزءٌ من المشروع الصهيوني الهادف إلى إبادة الفلسطينيين.

 

وقد تم التوصل إلى حلٍّ وسطٍ يتم بموجبه وضع سعادات في سجن في مقر عرفات في المقاطعة تحت حراسة فلسطينية ومراقبين Monitors  من بريطانيا والولايات المتحدة، وأُبرِمَ اتفاقُ أريحا لهذا الغرض الذي وافق عليه شارون حينذاك، وكانت محكمةٌ فلسطينيةٌ قد قررت فى عام 2003 براءةَ سعادات من التهمة، وخشيت إسرائيل أن يُطلَق سراحُه فشدَّدت على ضرورة استمرار الاتفاق الثلاثي ويقظة المراقبين الأجانب.

 

ومن الواضح أن اقتحام الجيس الإسرائيلي للسجن يهدف إلى اعتقال سعادات وخمسةٍ من رفاقه، حسبما أعلنت إسرائيل، وأنها سوف تبحث أوضاع مئاتٍ من المسجونين، على ضوء كشوف المطلوبين الفلسطينيين التي أعدتها إسرائيل ضدَّ كل مَن شارك في أي عمليات ضد إسرائيل؛ باعتبار هذه العمليات أعمالاً إرهابية.

 

 

ومن الواضح أيضًا أن الاقتحام تم بالتنسيق مع بريطانيا والولايات المتحدة، اللتين برَّرتا سحبَ مراقبيهما بالخوف عليهما بعد تزايُد الحوادثِ الأمنيةِ والانفلاتِ الأمني في فلسطين، وبرَّر وزير الخارجية البريطاني وكذلك المتحدث باسم الخارجية الأمريكية انسحابَ المراقبين البريطانيين والأمريكيين من السجن بأن ذلك بدافع الخوف على حياتهم، وبسبب عدم تجاوب السلطة الفلسطينية مع طلباتهم بضرورة توفير الحماية لهم.

 

والواقع أن هذا التبريرَ لا يدفع عن بريطانيا والولايات المتحدة ما هو واضحٌ من أنهما نسَّقا مع إسرائيل لاقتحام السجن، والطريف أن الموقفَ الأمريكيَّ ينوِّه إلى أن وضع المراقبين في السجن كان خدمةً للسلطة الفلسطينية، ونسي أن نفس السلطة لا تزال قائمةً، وأن هذا يدل على أن الدول الثلاثة (إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة) قد قصدت بهذا العمل إرسال عدة رسائل لحكومة حماس القادمة، وهي أن أحدًا في فلسطين ليس بعيدًا عن البطش الإسرائيلي، وأن الاتفاقات لا قيمةَ لها، وأن ذلك الانتهاك لاتفاق أريحا عام 2002 ردٌّ على رفضِ حماس الاعترافَ باتفاق أوسلو، والرسالة الأهم هي أن إسرائيل هي اللاعب الوحيد على الساحة، وأن قرارها لا معقِّب له.

 

من ناحية أخرى اتهم أبو مازن بريطانيا والولايات المتحدة بالتواطؤ مع إسرائيل في هذا العمل، ولكنَّ أصابعَ الاتهام تتجه إلى تقصير السلطة، ولكني أعتقد أن الجدل بين حماس وفتح حول تشكيل الحكومة والخط السياسي تجاه إسرائيل كان فرصةً لإسرائيل لاقتحام السجن، ولا نظن أن التواطؤ حدث من جانب السلطة الحالية؛ لأن هذا العمل يعدُّ إهانةً لها أيضًا.

 

وأغلب الظن أن توقيت الاقتحام مرتبطٌ برغبة بريطانيا والولايات المتحدة في تأكيد الرسائل الإسرائيلية السالف الإشارة إليها، وعزم الدولتين على دعم جزب "كاديما"، وهو حزب شارون الذي يقدِّم نفسَه على أنه أكثر اعتدالاً من الليكود، والجميع على أبواب انتخابات حاسمة، كذلك أرادت إسرائيل أن تستَبِقَ حكومة حماس، التي قد تُفرج عن أحمد سعادات؛ لاقتناعها بأنه مناضل ولا يجوز احتجازه أصلاً، وأن احتجازه كان ترتيبًا مع السلطة لتهدئة الخواطر في الدول الحليفة لإسرائيل.

 

وأخيرًا فإن اقتحام السجن رسالةٌ إلى حماس