في مئوية الميلاد للإمام الشهيد حسن البنا، نتذكر كيف استمرَّت جماعة الإخوان المسلمين طيلة هذه الفترة الممتدة منذ عام 1928م وحتى الآن، وأسئلة كثيرة تدور حول مكانة الجماعة، ليس في المجتمع المصري فقط، بل في مختلف البلاد العربية والإسلامية.

 

 ولم يكن كل تاريخ الجماعة مجرَّد تاريخ واحد، بل تواريخ متعددة، وتعددت تلك التواريخ عبر الدول العربية، ولم تلق الجماعة نفس المصير والظروف في كل الدول، بل كانت تنعم بالسماح والمشروعية القانونية في دول، وتعاني الحصار وعدم الاعتراف القانوني في دول أخرى.

 

فهل كان تاريخ الجماعة نتاج الرجل أم الرسالة أم التنظيم، أو هو نتاج الثلاثة معًا؟ نعم هي العناصر الثلاثة معًا، ولكنها لم تقم بنفس الدور، بل تعددت آثار الرجل واختلفت عن آثار الرسالة وآثار التنظيم. وليس من السهل أو المستحب البحث في أولوية الدور، بين الرجل والرسالة والتنظيم، بل علينا البحث عن دور كل عنصر من تلك العناصر. فمهما تعددت الآراء، فقد كانت الرسالة والتنظيم جزءًا من فكر الرجل. ولكن علينا في البداية معرفة أهمية البحث في تلك النقطة، فالضروري بالنسبة للأمة هو معرفة كيفية استمرار النضال واستمرار مشروع التغيير، أي معرفة كيفية قيام حركة من أجل النهوض بالأمة، وكيفية استمرار هذه الحركة، وقدرتها على مواجهة التحديات، حتى تحقق أهدافها.

 

والرجل هو الإمام الشهيد حسن البنا، وهو صاحب رؤية وفعل، ومن هنا تميز عن أقرانه. فرؤيته لواقع الأمة، كانت رؤية محددة وبسيطة. لقد عرف الداء وحدد الدواء، ودار في كل ربوع مصر يدعو لفكرته. ومن هنا اكتسب الرجل أهمية ومكانة، بقدرته على الوصول إلى قلوب وعقول الناس، العامة منهم والخاصة.والمتابع لتاريخ حياة البنا، يجد أنه تدرج في عمله على مراحل متتالية، وغالبًا ما كان تدرجه يقوم على تأسيس جيد لكل مرحلة. ولم يكن البنا متعجلاً للمراحل التي تحتاجها الدعوة، وتلك في الواقع من أبرز نقاط القوة في مشروع البنا الفكري والحركي، وهي نقطة ما زال لها الأثر الكبير في البرنامج الحركي لجماعة الإخوان المسلمين.

 

فالتدرج والارتباط بين الفكرة والحركة، كانت عناصر أساسية في تاريخ الجماعة. ولم تكن الفكرة نظرية نخبوية، بل كانت فكرة بسيطة في صياغتها، مهمة في جوهرها. ففكرة البنا قامت على أن غياب المرجعية الإسلامية للأمة، هو سبب نكبتها، وعليه لن تحقق النهوض إلا بالعودة لتلك المرجعية. والفكرة تعبر عن الواقع، حيث جاءت بعد سقوط الخلافة، وشيوع الفساد وتغلغل الاستعمار. فكان سقوط المرجعية بالفعل مواكبًا لسقوط حضاري شامل. وعليه أصبح النهوض مرتبطًا بالرجوع للهوية والمرجعية الإسلامية.

 

ولكن جماعة الإخوان التي أسسها الإمام الشهيد، لم تكن جماعة متخصصة، بل جماعة شاملة، وقد رأى البنا أن شمولية رسالة الإسلام، تجعل نشاط الجماعة شاملاً.. وهنا نقف عند نقطة مركزية في تاريخ الجماعة، فالشمولية لم تكن فقط إيمانًا بشمولية رسالة الإسلام، بل كانت تنوعًا وتعددًا للدور والنشاط الذي تقوم به الجماعة.. وبهذا أصبحت حركة اجتماعية ودعوية واقتصادية وسياسية.. وهذا التعدد، والذي جعل الجماعة تقوم على بنية اجتماعية في الأساس، هو الذي ساعد على استمرار الحركة، فإذا كانت حركة سياسية فقط، ما كان لها أن تستمر.

 

فالإمام البنا أنشأ حركة اجتماعية، ومثل تلك الحركات، يمكن أن تتحول إلى جزء من البنية الاجتماعية للأمة، وكأنها طريقة صوفية أو مذهب فقهي، وعلى هذا النحو تصبح جزءًا مستمرًا، أيًّا كانت حالته ودرجة ما يتعرض له من محن.

 

وإذا وصلنا للرسالة، سنجد أن البنا لم يكن أول من دعا لرسالة الإحياء الإسلامي، ولكن رسالة البنا جاءت في لحظة سقوط كامل للمرجعية، وبالتالي لم ينادِ بإصلاح الأوضاع، بل دعا لإعادة بناء الأمة. ولم تكن تلك الرسالة نخبوية ولا ثقافية، قدر ما كانت تربوية.. لقد دعا الإمام حسن البنا إلى إعادة تنشئة الأمة، فكانت الرسالة تربوية، تنادي بنمط حياة جديد.

 

لك في الواقع أحد الأسباب المهمة، التي جعلت الرسالة نمطًا معيشيًّا، وطريقة حياتية، مما جعلها تصبح نمطًا سائدًا في الأمة، وجماعة مستمرة رغم المحن.

 

ومنذ بداية تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، نجد تأسيسًا واضحًا للتنظيم الداخلي، حتى بات الأمر معقدًا نسبيًّا.. وربما يختلف البعض حول أهمية التنظيم، ولكن التاريخ يؤكد أن التنظيم كان دافعه الاستمرار.

 

والدور المحوري للتنظيم يتضح في قدرة الجماعة على الاستمرار، ليس فقط في مواجهة المحن، بل أيضًا في مواجهة العقبات التي تحول دون تحقيق رسالة الجماعة، فالتنظيم أصبح الماكينة التي تحقق الاستمرار، وتغذي الجماعة بأسباب مقاومة الظروف التي تتعرض لها.

 

ولكن للتنظيم بُعدًا آخرَ مهمًا، فالتنظيم أدَّى في النهاية إلى تأسيس مؤسسة جماعية، لها نظام داخلي، وتتحرك طبقًا لهذا النظام، وفي الانتخابات البرلمانية في مصر وفلسطين، ظهر أن التنظيم هو أداة التغيير الأساسية؛ لأنه ببساطة يمثل ماكينة التغيير، بقدرته على الحشد، وقدرته التنظيمية التي تميز أداء الإخوان، ولهذا اتضح خطأ التصورات التي كانت ترى أن الجماعة تهتم بالتنظيم على حساب الرسالة، لأنه ثبت أن التنظيم هو الأداة الرئيس لتحقيق الرسالة عمليًّا.

 

لقد استمرَّت الجماعة وهي تستلهم روح مؤسسها، وتتمسك بثوابت رسالتها، وتعتني بتنظيمها الداخلي، وكلها عناصر بدأها البنا، فأصبح بحق واحدًا من الرجال الذين غيروا التاريخ.