بقلم: السعيد رمضان
كان من أهم وأبرز التداعيات السياسية التي نجحت الحركة الوطنية المصرية خلال العام الماضي في تفعيلها هي حركة قضاة مصر التي كانت الحدث الأبرز في تاريخ الحركة الوطنية المعاصرة.
فقد شهدت الفترة الماضية وتحديدًا عقب الانتخابات التشريعية تطورًا خطيرًا في العلاقة بين النظام المصري والقضاة الذين يمثلهم نادي القضاة، ووصل إلى درجة ما يمكن أن نطلق عليه "تصفية الحسابات"، تَمثَّل في عدة محطات مواجهة، مثل (الانتخابات التشريعية، انتخابات نادي القضاة، تحويل أربعة من كبار القضاة للتحقيق).
فكان لا بد من فتح هذا الملف الساخن، وهو ملف العلاقة بين القضاة، والنظام المصري، كانت العلاقة بين القضاة والنظام السياسي المصري تتسم بما يمكن أن نطلق عليه "علاقة التوافق"، فمنذ نشأة نادي قضاة مصر عام 1939م كجمعية خاصة مشهرة وفقًا لقانون الجمعيات الأهلية المصرية ولم تشهد العلاقة بينهما أي شكل من أشكال الصدام سوى حادثة مذبحة القضاء الشهيرة عام 1969م في عهد الرئيس جمال عبد الناصر والتي تم عزل ما يزيد على 200 قاضٍ من ذوي التوجهات السياسية المختلفة.
محطات في تاريخ القضاء المصري
ارتبط ظهور القضاء المصري المعاصر في مصر بمشروع محمد علي لبناء الدولة المدنية الحديثة، فأنشأ محمد علي مجالس قضائية متعددة بجانب المحاكم الشرعية، كما أنشأ مجلسَين للقضاء التجاري في المركزين التجاريين الرئيسَين، القاهرة والإسكندرية، واعتُبرت هذه المجالس بدايةَ القضاء المصري الحديث, ثم أتى الخديوي إسماعيل ليوسِّع هذا النظام القضائي بتكوين مجالس هرمية لكيانات إدارية في المحافظات والأقاليم، فاختصت هذه المجالس المحلية بالفصل في القضايا البسيطة فقط؛ اعتمادًا على اللوائح التي تصدرها الحكومة المركزية.
واستمر الحال كذلك حتى بداية القرن العشرين الذي شهد تزايد التواجد الأوروبي، وبالتالي بدأت النماذج القضائية الأوروبية تحل محل النماذج العثمانية التي كانت سائدةً من قبل، ومع زيادة التواجد الاقتصادي الأوروبي وظهور الامتيازات الأجنبية بدأت الدعوة إلى إنشاء قضاء مختلط يختص بقضايا الأجانب، إلى أن بدأت المحاكم المختلطة عملها عام 1876م، ومع اعتماد التقنين المنظّم لهذه المحاكم ظهر التواجد الأوروبي بجلاء ليس في التشكيل فقط، ولكن في مسألة الفصل بين الحكومة كسلطة تنفيذية وجهاز القضاء، فقد وافقت الحكومة المصرية على الامتثال ذاتيًّا للأحكام الصادرة ضدها، كما وافقت على الأخذ بنظام النيابة العامة المعمول به حتى الآن.
سلطة جديدة ومعركة جديدة
يعدُّ وصول ضباط يوليو لسُدَّة الحكم بمصر إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في العلاقة بين السلطة التنفيذية وقضاة مصر، فقد كان الحكم في الحقبة الناصرية شموليًّا، ولكنَّ الصدام بين هذه السلطة الشمولية والقضاة الذين يستعصمون باستقلالهم تأخَّر بعض الشيء، فأمضت السلطة الجديدة سنواتها الأولى في إدخال تغيير جذري على البنية القانونية لتتواكب مع توجهها الجديد، وفي هذا الإطار وضعت العديد من التشريعات التي تكفل لها التدخل المركزي في كل شئون الإدارة، كما أطلقت حالة الطوارئ لتنال من معارضيها وتحافظ على "الثورة" الوليدة، فبدا الأمر وكأن هناك اتفاقًا غير معلَن بين السلطة الجديدة والجهاز القضائي، فأصرَّت الدولة الناصرية في البداية على حفظ استقلال القضاء وعدم إقحام القضاة في شئون السياسة وفي المحاكمات السياسية الصورية لمعارضي النظام، وهو ما التقى برغبة القضاة، فأنشأت السلطة الناصرية محاكمَها الاستثنائية من عسكريين بالأساس، وكان لهذه المحاكم دورٌ سياسيٌّ وليس قضائيًّا وهو محاكمة مناهضي النظام وخصومه.
وفي المقابل ساد توجهٌ داخل صفوف القضاة بأن واجبهم في هذه الفترة هو تطبيق القانون كما هو، أي كما تضعه السلطة الحاكمة، ولكن هذا الحال لم يَدُم طويلاً، فمع منتصف الستينيات بدأ عدد من القانونيين المصريين يطالبون بمراجعة الثقافة القانونية المصرية لتتواكب مع المتغيرات السياسية، فهاجموا فكرة الفصل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية؛ باعتبارها تراثًا رأسماليًّا ينتمي للشرعية الليبرالية التي يجب استبدال الشرعية الاشتر