حكمت النمسا على المؤرخ البريطاني "ديفيد إيرفنج" بالسجن ثلاث سنوات؛ لأنه شكَّك في المحرقةِ اليهوديةِ، وأكد أن "هتلر" كان صديقًا أو حليفًا لليهود، ولولاه ما قام كيانهم الغاصب في فلسطين المحتلة.

 

ما قاله إيرفنج طرحه في كتابٍ نشره على الناس قبل ستةَ عشرَ عامًا وطالعوه، ولكن اليهود لم يتعاملوا معه على أساس أنه يُمارِس حريةَ الرأي والتعبير، أو يعبِّر عن رأيهِ الذي تكفله القوانينُ والتشريعات؛ بل تعاملوا معه بوصفهِ معاديًا للسامية، ومنكرًا لمعلوماتٍ حقيقية!

 

أما الادعاء بأن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- إرهابي، ثم السخرية منه ومن دينه وأتباعه فمسألةٌ ليست من الحقائقِ المعلومة، ولا تدخل تحت لافتة العداء للسامية، مع أن العرب هم الساميون الحقيقيون، وأن اليهود الذين جاءوا من القرم وبولندا وجنوب إفريقيا وروسيا والفلاشا يصعب وصفهم بالسامية؛ لأنهم من الأجناس الحامية أو الهندية.

 

الغرب الصليبي الاستعماري يحرص على الكيل بمكيالين، ويعد اليهود الغزاة امتدادا له- لأسباب شتى- في قلب العالم الإسلامي، لذا لم يُطبَّق عليهم قرارٌ واحدٌ من قرارات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن التابع لها، وفي المقابل يمارس إذلال العرب والمسلمين، ويأمرهم بتنفيذ القرارات الظالمة التي يتخذها ضدهم بحذافيرها وفورًا بلا إبطاء.

 

وموقف النمسا من "إيرفنج" لا يختلف عن موقف الغرب كله من المسلمين ماضيًا وحاضرًا، ويتلخص في عدة نقاط أساسية منها:

1- استخدام القوة ضد المسلمين في أقسى صورها وأشدها وحشيةً، سواء كانت هذه القوة عسكريةً أو اقتصاديةً أو سياسية أو ثقافية.

 

2- إضعاف المسلمين بكل السبل، وفي كل المجالات، وإجهاض كل محاولة من جانبهم لبناء القوةِ في أية صورة من الصور.

 

3- استخدام الكذب بلا حدود في البيانات والادعاءات والمحاورات أو المناقشات، بحيث يتحدث الغرب الصليبي عن أشياء، ويفعل أشياء أخرى تخدم منهجه في إذلال المسلمين وإضعافهم.

 

4- تجييش المؤسسات الدولية السياسية والإعلامية والاقتصادية لقهر العالم الإسلامي وإبقائِه في دائرة (المجرم المتوحش) الذي لا يأبه بالقانون ولا حقوق الإنسان، ويعتدي على الآخرين دون مسوغ أو سبب.

 

5- استخدام مجموعةٍ من العملاء سواء في مجالات الحكم أو الفكر لتقنين الاستبداد في معظم أنحاء العالم الإسلامي وحرمان شعوبه من الحرية والعدل والمساواة والمشاركة في بناء أوطانهم والحضارة الإنسانية.

 

ولا شك أن هذه النقاط وغيرها قد أثمرت واقعًا غربيًّا صليبيًّا لا يقبل الإسلامَ والمسلمين، ولا يؤمن بحقهم في الحرية والعدالة والمستقبل.

 

ولعل ما رأيناه مؤخرًا يؤكد على استشراء الروح الصليبية في نفوس الغربيين، ليس على مستوى الحكومات الاستعمارية وحدها، ولكن على امتداد قطاعات كبيرة من المجتمعات الغربية بما فيها الولايات المتحدة، مع ملاحظة أن الروح الصليبية لا تمت إلى المسيحية بسبب، ولكنها تمتد إلى الوثنية الإغريقية والرومانية بتجلياتها العدوانية الوحشية.

 

إن المحرر الثقافي للصحيفة الدانماركية التي نشرت الرسومَ المسيئةَ للإسلام ورسوله- صلى الله عليه وسلم- أعلن أن نشر الرسوم يهدف إلى تحدي المحظورات الإسلامية! وكلامه يعني رغبةً واضحةً في العدوان على المسلمين، فضلاً عن إهانتهم والزراية بمقدساتهم ورموزهم.
وقد رأينا على شاشاتِ التلفزة كيف يضرب جنود الاحتلال البريطانيون بعضَ الشباب العراقي بقسوةٍ لا مثيل لها مع السخرية منهم، مع تصويرهم وهم يهدرون كرامتهم في أبشع حالات الوحشية.

 

وقد رأينا أيضًا صورًا جديدةً لإذلال المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب من جانب الأمريكيين الغزاة، وظهرت في الصور كل أنواع العنف والقسوة والوحشية والاعتداء الجنسي!!

 

هذه التجليات القمعية الوحشية الصليبية لا يمكن أن تكون استثناءً في سلوك الغرب الصليبي، ولا نشازًا في واقعه الاستعماري العدواني كما يزعم بعض قادته الذين يتحدثون في فضائياتنا مثل بلير وسترو وبوش ورايس وهيوز وغيرهم.

 

والسؤال الآن: أين حرية التعبير في هذا الإطار القمعي الوحشي الصليبي؟!

لا شك أنهم يقصدون شيئًا واحدًا فقط.. هو حرية العدوان على المسلمين وحدهم!