ترجمة: حسين التلاوي

لا زلنا إذن مع مقال فوكوياما الذي نشرته جريدة (نيويورك تايمز) يوم الأحد 19 فبراير، وفي هذه الحلقة نقف مع التقييم الذي وضعه فرانسيس فوكوياما للسياسة الأمريكية في المرحلة الماضية وأخطائها، مع مجموعة من القضايا والملفات ذات الأهمية، وإلى تتمة المقال:

 

التسعينيات وحقبة جديدة

بحلول التسعينيات كان المحافظون الجدد قد تأثَّروا بالعديد من التيارات الثقافية الأخرى، بعضها جاء من تلاميذ المنظِّر اليهودي الألماني ليو شتراوس، والذي كان واحدًا من القرَّاء الجيِّدين للكتابات الفلسفية والذي لم يعبِّر عن أية آراء حول السياسة المعاصرة أو أية قضية سياسية، وذلك على عكس كلِّ الهراء الذي كتبه عنه البعضُ من أمثال آن نورتون وشادية دروري، بل على العكس، فقد كان مهتمًّا بـ"أزمة الحداثة"، والتي تسبَّبت فيها نسبية نيتشه وهايدجر، إلى جانب أنه لا الادعاءات الدينية ولا المقالات التي تحدثت عن طبيعة الحياة الجيدة يمكن أن تنفصل عن السياسة.

 

 

أمريكا.. وسياسة الكيل بمكيالين 

كما جاء تيار آخر من آلبرت وولستر، وهو الباحث الإستراتيجي في مؤسسة راند، والذي كان أستاذًا لريتشارد بيرل وزلماي خليل زادة (السفير الأمريكي الحالي لدى العراق) وبول وولفويتز (نائب وزير الدفاع السابق) وآخرين، وكان وولستر معنيًّا بشكل رئيس بأزمة الانتشار النووي، والثغرات التي تعاني منها معاهدة منع الانتشار النووي الموقَّعة في العام 1968م، والتي تتمثَّل في سماحها باستخدام الطاقة النووية سلميًّا؛ ما ترك الباب مفتوحًا أمام إيران والعراق (لامتلاك أسلحة نووية).

 

لديَّ احتكاكٌ كثير بالمدارس التي تشبَّع بفكرها المحافطون الجدد، فقد كنت تلميذًا لآلان بلوم الذي كان تلميذًا لشتراوس، والذي ألَّف كتاب "إغلاق العقل الأمريكي"، وعملتُ في مؤسسة راند مع وولستر حول قضايا الخليج الفارسي وعملت أيضًا في مناسبتين مع وولفويتز، كما علَّق العديد من الأفراد كتابَي "نهاية التاريخ" و"الإنسان الأخير" في العام 1992م، واعتبروه جزءًا من منظومة فكر المحافظين الجدد، وقد أكد أحد هؤلاء على أن الكتاب يشير إلى وجود جوع عالمي للحرية، وهو ما سيؤدي بالعالم إلى الديمقراطية الليبرالية، وأننا نعيش وسط تيار انتقالي متسارع باتجاه الديمقراطية الليبرالية، وهذه قراءة خاطئة.

 

فكتاب "نهاية التاريخ" هو في النهاية مناقشة حول الحداثة، ما هو عالمي ليس الجوع إلى الحرية بالأساس ولكن العيش في مجتمع عصري متقدم تكنولوجيًّا ويتمتع بالرفاهية، وهو الذي إذا ما شَعُر بالرضا اتجه نحو المطالبة بالمشاركة السياسية، والديمقراطية الليبرالية نتاج فرعي لعملية الحداثة تلك، أي أنها شيء تحوَّل إلى ما يشبه الإلهام العالمي في سياق تاريخي.

 

بمعنى آخر "نهاية التاريخ" عبارة عن مناقشة ماركسية لوجود العملية طويلة المدى المعروفة بالتطور الاجتماعي، إلا أنها مناقشةٌ تنتهي بالديمقراطية الليبرالية لا بالشيوعية، وفي صياغة المفكِّر كين جويت فإن فكر المحافظين الجدد- الذي عبَّر عنه أفرادٌ مثل كريستول وكيجان- هو لينيني، فقد كانوا يعتقدون أنه يمكن إعادة التاريخ من خلال التطبيق السليم للقوة والإرادة، لقد كانت اللينينية مأساةً في تطبيقها البلشفي، وانتهت إلى مهزلة عندما تم تطبيقها في الولايات المتحدة.. لقد تحوَّل فكر المحافظين الجدد- ككيان فكري ورمز سياسي- إلى شيء لا يمكنني أن أدعمه.

 

فشل الهيمنة

لم تقدِّر إدارة بوش ولا مؤيدوها من المحافظين الجدد صعوبةَ وضع بدائل سياسية مناسبة في العراق، كما أخطأوا في فهم طريقة ردِّ فعل العالم إزاءَ استخدام القوة الأمريكية، فبالطبع كانت الحرب الباردة مفعمةً بما أطلق عليه المحلل السياسي ستي