تقوم السيدة كوندوليزا رايس- وزيرة الخارجية الأمريكية- من حينٍ لآخر بزيارةٍ للمنطقة، تختار منها في كل مرة عددًا من الدول بما يتفق مع جدول أعمالها وأهدافها. ولذلك شملت جولتها الأخيرة في الأسبوع الثالث من فبراير 2006م كلاًّ من مصر والسعودية والإمارات، ثم لبنان التي أضيفت فيما يبدو إلى القائمة، ولم تشمل الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية معًا. والملاحظ أن زياراتها السابقة كانت تشمل مصر أو تتجاهل مصر إذا كانت تقصد عقابها، أو إظهار الجفاء لها، وكان ذلك دائمًا بسبب أيمن نور، الذي أصبح في ميزان العلاقات المصرية الأمريكية أحد العوامل الأساسية التي تنهض عليها هذه العلاقات، وهذا يدل على هشاشة هذه العلاقات، ورؤية واشنطن لها، خلافًا لما يراه البعض ممن يؤكدون في كل مناسبة على متانة العلاقات المصرية الأمريكية، وكأن بحث هذه العلاقات أصبح من المحظورات، ويدخل في دائرة الخيانة الوطنية. مثلما يرى البعض، أن توثق هذه العلاقات يعتبر هو الآخر خيانة وطنية.
والواقع أننا يجب أن نفصل مقاييس الوطنية عن مؤشر هذه العلاقات، بحيث يكون مقياس الوطنية هو التمسك بالمصالح المصرية والعربية والإسلامية في مواجهة الإملاءات الأمريكية، والمعلوم أن أيمن نور لا يزال سجينًا، وهو أمر يُشعر الولايات المتحدة بوخز الضمير لتخليها عمن تعلن أنهم تحت حمايتها، وهو أمر أضرَّ به كثيرًا، وحمله تاريخيًا ربما لم يقصده أو يريده، وهو يعلم أن واشنطن تناهض مصر في شخصه دون ذنب اقترفه، ولذلك، فإنَّ زيارةَ رايس لمصر هذه المرة تحتاج إلى تأمل أكبر.
فقد سجلت على مصر أنها أجلت من خلال البرلمان الذي يُسيطر على أغلبيته الحزب الوطني انتخابات المجالس المحلية دون إبداء أسباب واضحة، اللهم إلا إذا كان ذلك خوفًا من فقدان الحزب الوطني السيطرة المطلقة على هذه المحليات، وهو أمر يتعلق بالترشح للرئاسة. ولكن كوندوليزا رايس ركزت على قضية حماس وإيران، وحفزت مصر على الاقتراب من الموقف الأمريكي بصدد هذين الملفين، فأطلقت تصريحات "مشرقة" تنطوي على إغواءٍ واضحٍ لمصر.
ففي الوقت الذي تُسجل فيه الإدارة الأمريكية تحفظاتها على الانتخابات التشريعية المصرية مقابل ثنائها على نزاهة الانتخابات الفلسطينية، فهي لا تزال تتحفظ على مستقبل الانتخابات الرئاسية في مصر في ظل المادة 76 المعدلة، وهو تحفظ له ما يبرره من الناحية العملية. وقد أعلنت رايس عن أملها في أن تقود مصر المنطقة نحو الديمقراطية، ثم تردد أنها بررت ذلك في لقائها الخاص مع بعض النشطاء، بأنها قصدت فقط تشجيع المضي في الإصلاحات التي وعد بها الرئيس.
ويبدو أن مصر لم تقدم لها ما كانت تتوقعه أو تأمله بالضبط، وإنما اقتربت مصر كثيرًا من الموقف الأمريكي على الأقل في قضية حماس. أما في قضية إيران، فلا يجوز أن تفوت علينا إشارة هامة، وهي تصريح السفير الأمريكي في القاهرة قبيل الزيارة، الذي تضمن أن واشنطن تحث الكيان على الانضمام إلى اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، وهو موقف مخادع؛ لأن من شأنه تسهيل اقتراب الموقف العربي من الموقف الأمريكي، وحشد العالم العربي ضد إيران. ويجب أن ننوه إلى أنَّ الكثيرَ من الكُتاب العرب يتمنون انضمام الكيان الصهيوني إلى هذه الاتفاقية، وهذا خطرٌ كبيرٌ؛ لأن دولة الكيان قوة نووية، وأن مركزها في ظل الاتفاقية ستكون أفضل مما هو خارجها، وسيكون بوسعها الرقابة على منع الدول غير النووية من حيازة الأسلحة النووية، والمشاركة في القرار النووي، وهو أعلى درجات قرارات الأمن الدولي.
أما أن موقف مصر قريب من الموقف الأمريكي، فهو يتضح من إعلان وزير الخارجية السيد أحمد أبو الغيط من أن السلطة الفلسطينية سوف تتطور develop evolve، ولا يجوز استباق الأمور.
هذا الموقف فُسر عند البعض على أنه رفض مهذب للموقف الأمريكي، وفُسر عند البعض الآخر على أن مصر لم ترفض حرمان السلطة من المعونة من حيث المبدأ، وإنما تعول على تغير موقف حماس صوب الشروط الصهيونية والأمريكية.. أي أنَّ الخلاف بين الموقفين المصري والأمريكي ينصب على توقيت حرمان السلطة وليس على مبدأ الحرمان، وما لم تتغير حماس يكون الحرمان واردًا ومشروعًا.. وكلا التفسيرين واردان، خصوصًا وأنَّ إغواء مصر كان يخشى معه أن يقترب موقف مصر بشكلٍ أوضح من الطلباتِ الأمريكية، ويحتمل أن تكون واشنطن قد عاتبت مصر على اقتراحٍ مبكرٍ أعلنته، وهو أن تقوم إيران بتعويضِ السلطة الجديدة في فلسطين ما تفقده من وقفٍ للمعونةِ الأمريكية والأوروبية؛ لأنَّ واشنطن طلبت أيضًا عدم تمويل السلطة أو قبول التمويل الإيراني.
وقد رافق جولة رايس تصعيد الصهاينة لبرنامج تصفية زعماء المقاومة بما في ذلك حماس، ولذلك لا يمكن تفسير ذلك إلا في إطار أنَّ هذا البرنامج هو الرد العملي على تردد مصر في تنحية حماس أو مناهضتها صراحةً، وهو يسد المسافة الفاصلة بين الموقف الأمريكي والموقف المصري، كما أنه هو الحل الصهيوني الذي تشعر واشنطن أنه يكتسب مشروعيته من فشل واشنطن في تعديل الموقف المصري. معنى ذلك أنَّ الموقف الأمريكي لا يزال على إصراره، وأنَّ الموقفَ المصري قابل للتطور في ضوء معطياتٍ ومتغيراتٍ كثيرة؛ ولذلك أرادت رايس أن تُزيل أي شبهة في أنَّ واشنطن ليست أقل رحمةً من العالم الإسلامي على الفلسطينيين، فأعلنت أنَّ المعونات الإنسانية للشعب الفلسطيني سوف تستمر، بينما سوف تتوثق صور المعونة الأخرى.
وكان الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي أكثر تحديدًا عندما قال باللغة الإنجليزية ما معناه أن السعودية لن تقطع المساعدات لاعتباراتٍ إنسانيةٍ فقط، ومن السابق لآوانه القفز فوق الأشياء، وقال: "نأمل ألا نربط العون الدولي للشعب الفلسطيني باعتبارات أخرى بخلاف حاجتهم الماسة للعون الإنساني". وقد فُهم هذا التصريح أيضًا بطرق مختلفة لكن حده الأدنى- بصرف النظر عن تبرير القرار السعودي- هو أن الرياض سوف تستمر في دعم السلطة ماديًّا، دون أن يحمل ذلك على أنه تحد للسياسة الأمريكية.
وفي تقديري أنَّ واشنطن سوف تصر من خلال مختلف الطرق بما فيها الضغط الميداني الصهيوني على احتواء حماس أو عزلها، وأنَّ واشنطن لا تحتمل من حلفائها العرب أي موقفٍ "غير إنساني" أي سياسي مساند لحماس، باعتبارها خيار الشعب الفلسطيني. ولعلها تذكرهم بأن الصمت العربي العام على وصف حماس بالإرهاب، ووضعها على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية كان إقرارًا بهذا الوصف، وتدرك واشنطن أن حلفاءها ليسوا قادرين على مصارحة واشنطن بما يعتقدون، فهم لا يصرحون بأن حماس منظمة إرهابية، ولا أنها منظمة فدائية تقاوم الاحتلال، ولذلك فإن صمتهم على المواقف الأمريكية شجَّع واشنطن على أن تستخلص لنفسها الموقف العربي الذي تريد، وهذا يشكل فشلاً كبيرًا من جانبِ واشنطن في استقراءِ الموقف العربي حسبما أشار بتريك سيل في مقالته بالحياة يوم 24 فبراير 2006م.
وقد شجع واشنطن على اتخاذ هذا الموقف أن أحدًا في العالم العربي لا يعترض على إبادةِ زعماء المقاومة بالصواريخ، بينما يتسابق الحلفاء إلى إدانة أي رد يصيب بالأذى أي هدفٍ صهيوني.
فهل يظل العالم العربي متمسكًا بهذا "الغموض البناء" أو "السكوت الدبلوماسي" في مواجهةِ واشنطن والكيان، أم أنه يرى أن هذا الموقف يحقق الهدف دون أية تكاليف في نسيج العلاقات العربية الأمريكية المختلة في الأصل؟
------------
* سكرتير منظمة المؤتمر الإسلامي ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق