في الجولة التي تقوم بها وزيرة الخارجية الأمريكية إلى المنطقة تعلن صراحةً أنها عازمةٌ على تحقيق هدفين: أولهما، الضغط على حماس للاستجابةِ للشروط الصهيونية. وثانيهما، تشكيل جبهة دولية ضد إيران، وما يلحق ذلك من ملفات سوريا وحزب الله والحريرى.

 

والحكم على هذه الجولة والخط الأمريكي في إجماله يتطلب وضع المعايير الواضحة لهذا الحكم، فقد يرى البعض أن مواقف دول المنطقة من الملفين لا يحتاج إلى هذه الحملة المكثفة، لأن هذه الدول تدرك ما تريده الولايات المتحدة، ومن ثم يرون أن الزيارة ليست ضروريةً في توضيح هذه الحقائق، وأن الزيارة لم تضف جديدًا، إما لأن الضغوط يمكن ممارستها بغير هذه الزيارة، وإما لأن هناك حدًا أدنى لهذه المواقف لا يمكن أن تنزل عنه، وسوف نركز تحليلنا في هذه المقالة على الموقف الأمريكي من حماس.

 

فالثابت أن حماس تشكل محنةً لكل من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة؛ لأنها من ناحية تمثل تيارًا إسلاميًّا يدخل الحكم لأول مرة في المنطقة العربية- باستثناء عشرات من نواب الإخوان المسلمين في مجلس الشعب المصري- ومن ناحية أخرى، لأن تشجيع الولايات المتحدة للديمقراطية- ولو من الناحية الشكلية والرمزي قد هيَّأ المناخ لظهور التيار الإسلامي، وبصرف النظر عن أن رايس قد أخبرت الصحفيين قُبيل بدء جولتها أنها ليست نادمة على تشجيع الديمقراطية في فلسطين، إلا أنه يبدو أن واشنطن ستكون أكثر تحفظًا وحذرًا في التركيز على سياسة نشر الديمقراطية.

 

وأدركت واشنطن منذ مدة- على الأقل منذ منتصف العام الماضي- أن الشارع العربى ينظر بقلق شديد إلى السياسات الأمريكية، وأنه لا يمكن التأثير عليه من خلال الدبلوماسية العامة أو الشعبية، وأن إتاحة الفرصة لهذا الشارع للتعبير عن رأيه في انتخابات حرة سوف يؤدي إلى وصول عناصر وطنية تعادي الولايات المتحدة، وبدلاً من أن تعدل واشنطن سياساتها حتى تغدو أكثر عدلاً وانسجامًا مع الآمال المشروعة لشعوب المنطقة، اتجهت واشنطن إلى دراسة منهج جديد يهدف إلى الحرص على تشجيع عناصر تتعاطف مع هذه السياسات.

 

ومن الإنصاف أن نقرر أن واشنطن تعلم جيدًا أن حماس هو خيار الشعب الفلسطيني، ولكنها تبذل كل ما في وسعها من ضغوط على حماس مباشرة، ومن خلال اللجنة الرباعية، وعلى الحكومات العربية، ومعها رسالة واضحة قوامها إفهام حماس أنها تخاطر بفقدان هذه المزايا المرتبطة بنجاحها، ما لم تقبل ما قبلته السلطة السابقة من التزاماتٍ ومعاهداتٍ. وهذه صيغة عامة، لأن المعاهدات التي تقرر حقوقًا للشعب الفلسطيني لا يمكن رفضها، أما السياسات التي تُعيده إلى الحلقة السياسية المفرغة فهي لا يجوز أن تقبلها حماس أو أبو مازن.

 

وقد سبق أن أشرنا في أكثر من مناسبة إلى أن الشروط التي وضعها الكيان الصهيوني، وتطلب واشنطن دول المنطقة إلزام حماس بقبولها هي شروط غير منطقية، فضلاً عن أنها تغفل أن الكيان الصهيوني هو اللاعب الوحيد في هذه اللعبة؛ فهو الذي يملك القوة ويسيطر على الأرضِ ويضمن الدعم الأمريكي والأوروبي، فالتخلي عن السلاح بغير وجود جيشٍ أو سلطةٍ مسلحةٍ فلسطينيةٍ مع وجود الاحتلال هو نوع من الانتحار. وهناك فرق بين وجود السلاح، وعدم استعماله، فإذا كان السلاح يُستعمل للدفاع ضد العدوان الصهيوني، فالأولى أن تُرغم الكيان على وقفِ هذا العدوان.

 

ولذلك فإن عرض هدنة بين الطرفين هو تحييد لاستخدام السلاح، فيوقف الكيان الصهيوني سياسة الاغتيالات وهدم المنازل والتضييق على الفلسطينيين، والتفاوض الجدي لإنهاء الاحتلال، فلا يكون هناك مبرر للمقاومة لأن تستخدم السلاح؛ لأن السلاح الفلسطيني يستخدم لهدفين: الأول، للدفاع عن الشعب الفلسطيني ضد سلطات الاحتلال. والثاني، مهاجمة المحتل حتى لا يكون احتلاله مريحًا، وحتى يسعى المجتمع الدولي إلى استكمال هذه المقاومة بالضغط السياسي.

 

وأما الاعتراف بالكيان الصهيوني باعتباره تركة ترثها حماس من السلطة السابقة فهو وهم كبير، وتستطيع السلطة الجديدة أن تتفاوض مع الكيان الصهيوني دون الاعتراف به، ويكون الاعتراف في إطار اتفاقيةٍ للسلام تُرضي الطرفين. ولا يمكن القول إن اتفاق أوسلو هو بأي حالٍ اتفاق للسلام، والأولى أن يدخل الكيان الصهيوني مع السلطة الجديدة في حوارٍ جدي لاتخاذِ إجراءاتٍ التعاون وبناء الثقة، وتمكين السلطة من مواجهةِ أعباء التنمية والمشاكل الاقتصادية، ومحاربة الفساد، وبذلك ترتبط الديمقراطية بالإصلاح، فيشعر الشعب الفلسطيني بالتقدير للكيان الصهيوني والولايات المتحدة، بدلاً من تخيير الشعب بين الديمقراطية أو الفناء.

 

وليس صحيحًا ما قالته رايس في القاهرة من أنَّ على حماس أن تختار بين السياسة والإرهاب، فقد اختارت السياسة، وهي أصلاً تُمارس المقاومةَ لا الإرهاب، ولذلك فإنها تعرض وقفًا متبادلاً لاستخدام القوة، وهي تعلم أنَّ سياسة الكيان الثابتة هي تصفية المقاومة تمامًا حتى يكون بمقدور الكيان الصهيوني أن يُنفذ برنامج التهويد، وابتلاع الأرض واستكمال الجدار العازل، وهزيمة آمال الشعب مقابل تقديم الفتات له، وعليه أن يختار بين كرامته أو الموت جوعًا.

 

ولقد حذَّر الجميع من أن سياسة الضغوط الاقتصادية والمالية على الشعب  الفلسطيني عقابًا له على اختياره سوف تؤدي إلى مزيدٍ من التمسك بحماس، كما حذر الجميع أيضًا من أن المعونة الأمريكية والأوروبية يمكن الاستغناء عنها بمصادر عربية وإسلامية، ولهذا السبب طلبت رايس من الحكومات العربية ألا تُبادر إلى مساندةِ حماس، وإلا كانت تُساند الإرهاب ماليًّا، وهي مخالفة فادحة لقرار مجلس الأمن رقم 1373 لعام 2001م وغيره من القرارات، كما طلبت رايس ألا تسمح الحكومات العربية لحماس باللجوء إلى إيران، وأن يتم فك الارتباط بين إيران وحماس، خاصةً بعد أن أكد مرشد الثورة الإسلامية في إيران أن بلاده سوف تعوض كل ما كانت تتلقاه السلطة من أوروبا والولايات المتحدة. فأين يقع العالم العربى إزاء هذه الضغوط الهائلة على حماس؟

 

نعتقد أن هناك حدًّا أدنى وحدًّا أقصى لمدى التجاوب العربي مع الرغباتِ الأمريكية؛ فالحد الأقصى، هو نصح حماس بعدمِ خلط الأوراق مع إيران، خاصةً أن تطورات الساحة العراقية تُظهر دورًا إيرانيًّا كبيرًا في العراق، وحنقًا أمريكيًّا أكبر من ذلك، وأن تفاقم الملف النووى الإيراني يُنذر بالكثير من التعقيدات، وأما الحد الأدنى، فهو تفهم الرسالة الأمريكية، وإقناع الولايات المتحدة باستمرار المعونة مع منح حماس الفرصة، ربما يتحرك موقفها من خلال الممارسة إلى مستوى معقول لا يبرر هذا الفيتو المفروض على الشعب الفلسطيني، وفي كل الأحول، فإنَّ استعدادَ الدول العربية لتمويل السلطة ومساندتها يجب أن يكون واضحًا حتى لا يملأ الشارع العربي، والمنظمات الإسلامية الفراغ.

 

وقد وردت إشارات إيجابية في هذا الاتجاه بعد أن أعلن "سولانا" المنسق الأعلى للسياسات الأوروبية يوم 21/2/2006م أن الاتحاد الأوروبي سوف يستمر في تقديمِ المعونة لحماس قدر المستطاع.

 

وأخيرًا، فإنَّ التمسك بأن حماس منظمة إرهابية لم يعد سائغًا بعد أن حازت ثقة الشعب، وصارت سلطة تنفيذية وتشريعية، وعندما يتفاوض معها الكيان الصهيوني وهي في السلطة، فإنه لا يفاوض منظمة إرهابية، خاصةً بعد أن بدأ العالم يُقارن بين الجرائم الصهيونية اليومية وبين سجل حماس في مقاومةِ المحتل.

 

فهل يمكن القول بأن وزيرة الخارجية الأمريكية ستعود إلى واشنطن بموقف أكثر مرونةً وواقعيةً يقوم على دراسةٍ واعيةٍ لتداعياتِ موقفها المتشدد، وألا تعتبر ذلك هزيمةً لسياساتها، بل انتصارًا للسلامِ في المنطقة؟ ولكن هل تقوى واشنطن على مقاومةِ الاتهام الصهيوني لها بخديعتها وخيانة مواقفها والتراجع عن حزمها؟

 

الراجح أن واشنطن تربط موقفها من حماس بشعارها الأشمل حول مكافحة الإرهاب، وأنها ما دامت تعتبر حماس منظمة إرهابية حسب الوصف الصهيوني، فإن قبولها التعامل مع حماس لا بد أن يسبقه رفعها من قائمةِ الإرهاب، وهو ما طلبته حماس بالفعل، ولكن يبدو أنَّ واشنطن تُراهن على فشلِ حماس، وذلك عن طريقِ وضع العقبات في طريقها، وأهم هذه العقبات، السماح للكيان بالضغط الميداني على الشارع  الفلسطيني عن طريقِ أعمال العدوان والاجتياح والاغتيال، وهي تحسب أن رئيس السلطة لا يُمانع في هذه الضغوط، ويعتقد الكيان الصهيوني أنه يشترك مع رئيسِ السلطة في هدف إزاحة حماس بكل الطرق، غير أنه من الخطورةِ أن يبالغ الكيان الصهيوني في تقدير الجانب النفسي لأبو مازن وموقفه الذاتي من حماس، فهو في النهاية رئيس لكل الفلسطينيين، ولا يضيره أن يؤدي موقف حماس إلى تحسين الموقفِ الفلسطيني في مواجهةِ الكيان، فهو وحماس في خندق واحد لا يمكن خلطه مع الخندقِ الصهيوني، مهما كان القفز إلى المعسكرِ الصهيوني، أو التماثل بين موقف الكيان وأبو مازن من حماس، مغريًا في التحليل.

-----------

* سكرتير منظمة المؤتمر الإسلامي ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.