أصبحنا بين الفينة والأخرى نُفاجأ بزيارة كونداليزا رايس وكأنَّ الأمرَ أصبح طبيعيًّا، ففي كل أمر يلم بنا أو مشكلة تُصادفنا تشد المذكورة حقائبها في زياراتٍ خاطفةٍ إلى مصر وإلى بلدان الشرق الأوسط.
ونُدرك ويدرك الجميع أنَّ تلكَ الزيارات تتم من خلال الإحساس بأنَّ أمريكا هي صاحبة الأمر والنهي وأنها الوصي على تلك المنطقة وهي الأدرى والأعلم بما يجب على تلك الدول الالتزام به وتنفيذه ويحس الجميع هذا من خلال التصريحات في المؤتمرات الصحفية التي تعقب اللقاءات.
فبالأمس القريب كانت الزيارة في ظاهرها دعوة بضرورةِ المزيد من الإصلاحاتِ الدستورية والممارسات السياسية في الدولة.. وتذكير بالسعي لتطبيق الديمقراطية.. وطلب الإفراج عن مسجونين بعينهم.. ولعل البعض وقد خدعتهم تلك الادعاءات تصوروا أنَّ أمريكا تريد خيرًا لنا ولأمتنا.
ومنذ أيام هلَّت علينا السيدة رايس.. تحمل بين جنباتها كما توقعنا بعضًا من تسلطها وعجرفتها.. فماذا كانت تريد.. وإلى أي شيء كانت ترمي كانت في رحلتها إلى مصر ثم السعودية.. تدبر لعزل حماس سياسيًّا وماديًّا والضغط عليها لصالح الكيان الصهيوني.. بعدما صدمت أمريكا بالفوز الساحق لحماس.
وهنا نقف مع النفس.. ونتساءل عن حقيقة هذا التسلط وتلك السطوة التي افترضتها أمريكا لنفسها بحسبان أنها صاحبة الرأي وأنها القوة الوحيدة.. التي لا بد أن يحييها ويخضع لها الجميع.
لقد هيَّأنا لأمريكا تلك المكانة وقدمنا لها طواعية هذا الوضع.. حين سمحنا لها أن تتدخل في شئوننا يوم أن خدعت العراق وحرضته على غزو الكويت ثم وقفت تبكي الكويت.. وتنادي بحرب التحرير.. حتى آخر جندي عربي وآخر ريال أو درهم.. وقد كان لها ما كانت ترنو إليه.. وبرغم التحذير الذي كثيرًا ما نشرناه.. ولكن لا يُطاع لقصير أمر.
لم تكتف أمريكا بذلك.. بل واصلت تسلطها ومساندتها لربيبتها "إسرائيل" وعكفت على دعمها بكل ما أُوتيت من قوةٍ وسلطةٍ.. وفي غفلةٍ من الزمن.. وبعد أن خدعت ومكرت بالحكوماتِ العربية افتعلت أزمة الأسلحة النووية في العراق، ومن ثم اجتياح العراق بعد أن دمَّرت وخرَّبت أفغانستان.
ويأبى الله إلا أن ينطق بوش بما يعتمل حقيقة في صدره.. إنها حرب صليبية.. هي هكذا ولا شك في ذلك.. والشواهد خير دليل على ذلك.. وها هي أمريكا وقد نكبت في العراق.. تأبى إلا أن تُثير الفتنةَ بين الشيعة والسنة.. وتفتعل تلك التفجيرات والممارسات الناطقة بالإجرام، وللأسف فإنَّ هذه الأحداث قد انطلت على كثيرٍ من المسلمين.. وهي تخطط الآن لتنسحب من العراق بعد أن تكون جيشًا عربيًّا يحل مكانها ويتحمل تبعات مؤامراتها.
وأخيرًا هل نفيق ونستشعر حقيقة ما يُراد لنا وما يُدبر لنا بليل.. هل نقرأ ما بين السطورِ حين تتواكب تلك الحروب مع المساس برسولنا الكريم على صفحات صحفهم.. في الوقت الذي يُحاكم فيه مَن ينكر الهولوكوست.. أو يتهم الآخر بأنه نازي.
مشكلتنا أنا لا نفيق إلا متأخرًا.. بعد أن تأكل النيران الأخضر واليابس ولنسأل أمريكا.. هل ما تمارسه هي وأعوانها وأشياعها في العراق فيه أي ملمحٍ من ملامحِ الديمقراطية؟ وهل سجن أبو غريب بعيد عن العالم؟ هل جاءت حماس على أسنةِ الرماح أم من خلال انتخابات شهد لها العالم بالنزاهة والشفافية؟ وهل الديمقراطية حرام على حماس حلال لغيرها؟!
وسؤال لحكامنا.. ألسنا الآن في أشد الحالةِ إلى إصلاحٍ سياسي يضمن للأمة كرامتها وعزتها بعيدًا عن قوانين الطوارئ وبعيدًا عن التترس بقوى الأمن ضد الشعوب بدلاً من التمسكِ بأذيال أمريكا والجري وراء سرابها؟!
إننا نرفض أي إصلاح يُملى أو يُفرض علينا من الخارج فنحن نُدرك مخططات ونوايا تلك الأمم.. ونعلم أنها لا تريد لنا وللإسلام خيرًا.. ولكننا نطلب عدلاً وصدقًا من حكامِ الأمة العربية والإسلامية.. نطلب منهم أن يتترسوا بشعوبهم ضد مَن لا يرجون لنا إلا الشر والبوار.
نريد أن تغلق الأبواب في وجه كونداليزا رايس وتشيني وأشياعهم.. فنحن أدرى بأمتنا وأقدر على حل مشاكلنا وتوضيح مواقفنا وبناء مستقبلنا.
------------
* أستاذ الجيولوجيا جامعة القاهرة وعضو مكتب الإرشاد