تتوالى الأحداث في مصرنا الحبيبة، ويتطلع الجميع إلى أي بادرة إصلاح، ولكن الواقع يردد في يقين أن لا أمل في إصلاحٍ ما دامت هذه النوعية التي احتكرت مقاليد الأمور تُواصل عبثَها بمقدرات الأمة، ويكفيها الكرسي وحواشيه.

 

ومن بين المآسي التي يعانيها شعبنا الصابر ما يلي:

أغبى الناس مَن يظن أنه أزكى من الآخرين، وأكثرهم غباءً وحمقًا مَن يكذب ثم يُصدِّق نفسه ويجري وراء السراب كما فعل جحا من قبل.

فعندما ضاق الناس ذرعًا بمستنقع الفساد الذي غرقت فيه الحكومة والمواجهة مع موروثات ذلك العهد البغيض الذي أضحى فيه الحكم يستقوي بالأمن ضد شعبه، واستغلَّ كلَّ قوانين القهر والاستبداد للحفاظ على مكاسبه تصورت الطغم الحاكمة أنَّ بإمكانها خداعَ الأمة والعمل على إلهائها فبدأت بتمثيلية تعديل المادة 76 التي لم تخرج عن كونها خطبةً دستوريةً على رأي أحد أساطين القانون.

 

وسمعنا عن برنامج إصلاحي قصير المدى وآخر طويل المدى صاحَب انتخابات رئاسة الجمهورية، وحاول الجميع التذرع بالصبر لعلَّ هؤلاء يعودون إلى رشدهم، وتمرُّ الأيام تلو الأيام والحال على ما هو عليه ولا جديد إلا بزوغ نجم لجنة السياسات والتصريحات الجوفاء مبشرةً بالإصلاح، ولستُ أدري- كما يحس غيري- مَن هو الحاكم الفعلي للبلاد؟! وما مشروعية وضعه؟! وما قانونية صفته؟! وهل هو حاكم البلاد بالميراث كما يخطط المخططون؟! لقد قالها الشعب بكل لغةٍ وبكل تعبيرٍ (لا تمديد ولا توريث).

 

والمعلوم أنَّ صلاة الإمام باطلةٌ إذا كان في صدرِ أحدِ المأمومين شيءٌ منه.. فما بالك بمشاعرِ شعبٍ ضاق بتلك الإمامة وأعلن رفضه لها؟

 

وأتساءل عن طبيعةِ الحكم خلال ربع قرن مضى.. هل تذكرتم الآن بعد أنَّ عمَّ الخراب أنَّ الدستورَ في حاجةٍ إلى تعديلٍ، وأن هناك قوانين في حاجةٍ إلى استبدال.. أليس هذا مؤشرًا على نوعية القابضين على مصائر الناس، وعلى ضرورة أن يتخلوا عن مراكزهم وعروشهم؟!

 

واستكمالاً لمسيرة التآمر على الشعب المصري المغلوب على أمره يتم تمرير قانون تأجيل المحليات بليلٍ (شأن كل القوانين المشبوهة من قبل) فتتم الموافقة عليه في مجلس الشورى في أول جلسةٍ ثم يوزع على مجلس الشعب في صباحِ اليوم التالي لتتم الموافقة عليه بأغلبية الحزب الوطني في نفسِ اليوم، وكل هذا من أجل ألا يُسمح لأي جهةٍ أو فصيلٍ أن يحصل على أغلبية تُمكِّنه من التقدم للترشيح في الرئاسة القادمة كمنافسةٍ ضد السيد جمال مبارك.

 

ما هذا الاستخفاف بالعقول؟! وما هذا التردي الذي أصابنا في كل مجال؟ وهل ما زلتم تتعاملون مع الشعب على أنه ثلة من المتخلفين؟ لا.. ولن نسمح لكم بهذا بعد الآن..
وصورة من المآسي التي يندَى لها الجبين عندما تتعامل حكومتنا مع أقدس وأعلى وأزكى ما نعتز به ونفخر به.. قضاؤنا الشامخ، والذي يُعتبر الملجأ الوحيد بعد أن غابت كل وسائل الأمن والأمان في مجتمعنا، وما هذا الصراع الذي تقوده الحكومة- ممثلةً في مجلس القضاء- لتقدم ثلةً من أكرم رجالات القضاء للنيابة للتحقيق معهم ثم تمتنع عن دعمهم المادي وتتجاهل قانونَهم الذي ارتضَوه بعد أن درسته وقدمته عقولُهم وتحاربهم.. هل هي مقدمة لمذبحة جديدة للقضاء؟! ماذا بقي وماذا يبقى بعد ذلك؟ لله الأمر من قبل ومن بعد..!!

 

وأخيرًا.. فداك يا رسول الله أبي وأمي وولدي وما أملك.. لن نحني الجباه، ولن تلين لنا قناةٌ ونحن نواجه عصبةَ المتطاولين البغاة، وسوف يعلمون أننا لسنا- كما هيَّأت لهم أفكارهم البليدة- لقمةً سائغةً أو ثلةً من الضعاف، بل سيقف الشيخ والطفل والنساء قبل الرجال يدافعون عن مقدساتهم بكل ما أُوتينا من قوة، مؤمنين بأنَّ الله ناصرنا وراعينا، فالله خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين.

 

سنقوي صفَّنا وأمتنا بالعملِ.. سنباريكم في كل المجالاتِ بعد أنَّ علمناكم وورَّثناكم ميراثَنا غاليًا من العلم والمعرفة.. يوم أن كنتم تعيشون في ظلماتِ القرون الوسطى وجهالات التعصب الأعمى.

 

سنتمسَّك بقوة بسنة رسولنا ونُؤصل في النفوس معنى الالتزام بقرآننا، ونرفع رايات الجهاد أمام المستبد الغاصب الجهول، وعندئذ سيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

----------------

* أستاذ الجيولوجيا جامعة القاهرة وعضو مكتب الإرشاد.