القاهرة: أحمد سبيع
فجأة وبدون سابق إنذار أعلنت الحكومة المصرية عن اكتشافها مرض أنفلونزا الطيور، وانتشر المرض في ربوع مصر انتشار النار في الهشيم، ولم تمر ساعة على مصر إلا ونسمع عن نفوق عشرات الآلاف من الطيور وحرق عشرات المزارع وحملة إبادة شبه منظمة من قِبَل قوات الأمن على المزارع، بالرغم من أن الطيور التي ثبت أنها مصابةٌ بالمرض لا تتعدَّى أصابع اليد، بل إنه حتى الآن لم يتم عزل مزرعة بشكل واضح سوى مزرعة للرومي بمحافظة المنيا.
أما ما يلفت النظر في هذا الموضوع فهو أن الحكومة قصرت تحليل العينات وإعلانها على وحدة تحاليل واحدة، وترفض نشر تفاصيل التحاليل بها، بل إنها عزلت هذه الوحدة عن كل المراكز البحثية البيطرية المتخصصة، ومما زاد الأمر شعورًا بالخوف هو ارتباط بل وتبعية هذه الوحدة بشكل مباشر بوحدة أبحاث نامرو3 (وحدة البحوث الطبية للبحرية الأمريكية)؛ وحتى لا نكون كالذي يصطاد في الماء العَكِر أو الذي يعمل بنظرية المؤامرة فإننا نوضح العديد من الحقائق حول هذه الوحدة اللغز؟!
منذ ما يقرب من مائة عام كان المسئول عن التشخيص المعملي لأمراض الحيوان والطيور والأغذية ذات الأصل الحيواني هو معهد بحوث صحة الحيوان (أحد ثلاثة معاهد بحثية تابعة لمراكز البحوث الزراعية) ومدير المعهد الحالي هو د. سعيد الشاطر، علمًا بأن المعهد يحتوي على كوادر رفيعة وله فروع في جميع محافظات مصر.
إلا أنه تم مؤخرًا وتحديدًا في عهد في د. يوسف والي- وبمعاونة مالية من الاتحاد العام لمنتجي الدواجن- إنشاء معمل سُمِّي المعمل المرجعي لتشخيص أمراض الدواجن وتم إسناد رئاسته إلى د. منى محرز (الأستاذة المساعدة في ذلك الوقت)، إلا أنه تم إقصاء أساتذة قسم الدواجن بالمعهد عن العمل بهذا المعمل، وتم تقليص دور قسم الدواجن بالمعهد لحساب تركيز السلطات في يد رئيس المعمل ومعه مجموعة من الباحثين من ذوي الخبرة الحديثة، أما الأخطر وطبقًا للمستندات الرسمية ولشهادة الأساتذة العاملين بالمركز فإنه لم يتمكن المعمل حتى تاريخه من اعتماده معملاً مرجعيًّا من جهات التشخيص العالمية.
وبعد الترصد لأنفلونزا الطيور تم إسناد التشخيص للعينات الواردة من طيور مصر إلى هذا المعمل دون غيره، حيث فوجئ الجميع بإعلان المعمل عن إيجابية 7 عينات لمرض أنفلونزا الطيور، وذلك في تمام الساعة 3.5 يوم الجمعة 17 فبراير 2006، وهذا المعمل من (الناحية العلمية) غير مؤهل لتشخيص الفيروس الضاري H5N1؛ حيث يمكن أن يشخص مرض أنفلونزا الطيور بشكل عام والذي يحتوي على العديد من الأنواع.
كما أن كل العينات التي أُعلنت إيجابيتها مساء يوم الجمعة 17 فبراير اعتمدت على الاختبار غير المتخصص Capture ELISA ، أما الاختبار المتخصص البلمرة المتسلسلة P C R فيحتاج إلى احتياطات وقائية شديدة للقائمين على هذا التشخيص المعملي لمرض وبائي شديد الضراوة، وهذه الإمكانات لا تتوافر في هذا المعمل هذا الذي قد يكون دفع بالمعمل يوم الخميس 16/2/2006 مساءً لإرسال العينات إلى نامرو3 (وحدة البحوث الطبية للبحرية الأمريكية) والتي أرسل لها سبع عينات كمجموعة واحدة في عيِّنة واحدة؛ مما يعني أن النتائج الإيجابية التي أشارت لسبع عينات قد تكون نتيجةً لعينة واحدة فقط!!
وقد ترتب على الحقيقة المشار إليها الأحداث الآتية:
1- إجراءات حكومية.
2- هلع شديد بين المواطنين.
3- شلل في صناعة الدواجن.
هذا وقد توالى بعد ذلك إرسال عينات وتلقي الشكاوى من حالات النفوق بالمحافظات المختلفة، وقد قام المعمل بأخذ عينات من هذه المواقع، وقام بالتشخيص بنفس الطريقة غير المتخصصة بالمعمل المشار إليه، وعند متابعة هذه الطيور داخل المزارع وُجد أن الأعراض الإكلينيكية ومعدل النفوق لا يتفقان وإيجابية التشخيص، وهذا طبقًا للأسس العلمية في وبائية هذا المرض، ومثال على ذلك: مزرعة القرش مركز ميت غمر محافظة الدقهلية، بها (19) مليون بيضة التابعة لبنك التنمية والائتمان الزراعي، وهي المزرعة التي تحوي 150ألف طائر لا يتعدى معدل النفوق طائران لكل عشرة آلاف طائر، علمًا بأن معدل النفوق يصل إلى 100% خلال بضعة أيام، في وقت ما زال قرار التخلص من هذه الطيور ساريًا وقوات الأمن تحيط بالمزرعة، وما زالت الطيور شاهدةً على ذلك.
وهناك مزارع أخرى تم الإبلاغ عنها بإيجابية العينات؛ مما دفع العاملين في هذه المزارع من الهرب بها؛ حيث إنهم المخالطون مباشرةً لهذه الطيور؛ مما أدى إلى نفوق هذه الطيور من الجوع والعطش، مثال ذلك كلية الزراعة بجامعة القاهرة، ومثال آخر: أخذ العينات التي تم إعلان إيجابيتها لمرض أنفلونزا الطيور يوم الجمعة 17 فبراير وتم إعدامها بموجب هذه النتيجة هي في حقيقتها قد أصيبت بحالة تسمم فطري، والذي أثار هذا الموضوع هو مورِّد الأعلاف المسئول وتوريده لأعلاف مصابة بالفطريات.. هذا ومن المتعارف عليه علميًّا التأكيد بثلاثة اختبارات بمعمل مرجعي وتتم هذه الاختبارات أثناء الحجر البيطري على المزرعة.
--------
* صحفي مصري.