ترجمة: حسين التلاوي

نشرت جريدة (نيويورك تايمز) أمس الأحد 19 فبراير مقالاً شديدَ الأهمية للكاتب والمفكر السياسي الأمريكي البارز فرانسيس فوكوياما، الذي أكد في مقالته هذه على فكرة غاية في الإلحاح في الوقت الراهن بالنسبة للمنطقة العربية والإسلامية؛ وهي فشل فكر المحافظين الجدد الذي تتبناه إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في تحقيق الأهداف التي يَرمي إليها، ومن بينها نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط.

 

ويشير الكاتب إلى أن فوز الإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في مصر وكذلك حركة حماس في الانتخابات التي جرت في الأراضي الفلسطينية يُعتبران دليلاً على فشل السياسة الخارجية الأمريكية الحالية.

 

ويتناول المفكر- صاحب نظرية "نهاية التاريخ" الشهيرة- أصولَ فكر المحافظين الجدد بالتحليل، ويوضح أن أصوله تنتمي إلى أفكار مجموعة من اليهود ذوي الأصول الألمانية، واختلط بالعديد من المدارس الفكرية الأخرى، لكنه يشير إلى أن هذا الاختلاط أدَّى إلى تشوُّه فكر تلك المجموعة، الذي كان في أساسه مرتبطًا (باللينينية) وهو ما يجعل من الصعب تطبيقه من دون تكرار المآسي التي وقعت في الاتحاد السوفيتي السابق جرَّاء ذلك.

 

ويركز الكاتب على نقاط ثلاثة في نقده لفكر المحافظين الجدد، وهي عسكرة السياسة الخارجية، وتركيز الإدارة الأمريكية على محاولة نشر الديمقراطية بالقوة في الشعوب المختلفة، وهو الأمر الذي يؤكد الكاتب استحالةَ حدوثه، ويشير إلى أن نشر الديمقراطية بالقوة هو السبب الرئيس في انتشار الإرهاب، لا أحد طرق محاربته كما تعتقد الإدارة الأمريكية.

 

وفي معرض انتقاده لعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية يشير المفكر السياسي في مقالته إلى أن الإسلام المتشدِّد أو المتطرِّف- كما يسميه- هو العدو الأول للولايات المتحدة في الفترة الحالية.. الأمر الذي يستلزم حربًا فكريةً سياسيةً لا عسكرية بالأساس.

 

أما النقطة الثالثة فهي فكرة محاولة نشر القيم الأخلاقية الأمريكية بما فيها الديمقراطية من خلال الهيمنة الأمريكية على العالم، وهو الأمر الذي ترفضه العديدُ من القوى الدولية حتى الحليف منها للأمريكيين.

 

ويؤكد المفكر السياسي أن الإدارة الأمريكيةَ الحاليةَ في فترة رئاستها الثانية بدأت في إجراء مراجعات لسياساتها حول العالم، إلا أن هذه المراجعات ترتطم بسيادة فكر المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية.

 

وينتهي فوكوياما إلى القول: "إن السياسةَ الخارجيةَ الأمريكية تحتاج إلى تبني فكر جديد يتَّسم بالواقعية بعيدًا عن فكر المحافظين الجدد الذي مرَّ زمنُه وانتهى، ويؤكد الكاتب أن هذا الفكر يجب أن يكون وسطًا ما بين مثالية فكر المحافظين في محاولة نشر القيم الأمريكية عالميًّا بالقوة والواقعية السياسية، ويرجِّح الكاتب أن فكر الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون والذي يسميه "الويلسونية" هو الأفضل، وتتبلور هذه النظرية السياسية في أن الحكم الصالح هو تطبيقُ قانون البلاد بصورةٍ صحيحة، ويوضح الكاتب أن هذه النظرية تحتاج فقط إلى بعض الواقعية لتصيرَ نموذجيةً وصالحةً للتطبيق في السياسة الخارجية الأمريكية.

 

وعلى أهمية هذا المقال- رغم ما لنا عليه من تحفُّظات- وفي إطار سياسة الانفتاح وتعميم الفائدة التي يتبناها موقع (إخوان أون لاين) نقدِّم لكم على حلقتين ترجمةً كاملةًَ له على النحو التالي:

 

بعد المحافظين الجدد

نقترب من الذكرى السنوية الثالثة لبدء الحرب على العراق، ومن غير الواضح ما إذا كان التاريخ سوف يحكم على هذا التدخل أو الدوافع التي أدَّت إليه بصورة صحيحة أم لا؟!

 

بغزو العراق أوجدت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن النبوءةَ التي تحقق نفسها؛ فقد احتلت العراق حاليًا مكان أفغانستان كأرض جاذبة لـ (الإرهاب) ومرتعٍ خصب لنموه؛ حيث صارت قاعدة عمليات للجهاديين (الإرهابيين)، مع وجود وفرة في الأهداف الأمريكية التي يمكن استهدافها.

 

لا تزال لدى الإدارة الأمريكية فرصةٌ لوضع حكومة ديمقراطيةٍ يسيطر عليها الشيعةُ في العراق، إلا أن تلك الحكومة سوف تعاني من الضعف لسنوات طويلة مما يخلق فراغًا في السلطة يتيح الفرصةَ للتدخل الخارجي من جانب جيران العراق بما فيهم إيران.

 

لقد جنى العراقيون منافعَ عديدةً من الإطاحة بنظام صدام حسين الديكتاتوري، وربما كان لذلك انعكاساتٌ إيجابيةٌ على كل من لبنان وسوريا، إلا أن هذه النتائج في حدِّ ذاتها لا تبرِّر الدماءَ والأموالَ التي دفعتها الولايات المتحدة حتى الآن.

 

إن العقيدة التي يتمحور حولها إطارُ عمل الإدارة الأمريكية حاليًا صارت مخجلةً؛ فهذه العقيدة التي تم استخدامها في مجالات أخرى مثل إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي في العام 2002م تقول إنه في ضوء أحداث 11 سبتمبر تعيَّن على الولايات المتحدة أن تتبع إستراتيجية الحرب الاستباقية لتدافع عن نفسها ضد الدول المارقة و(الإرهابيين) المزوَّدين بأسلحة الدمار الشامل، وذلك بمفردها إذا ما تطلب الأمر، كما صار يتعيَّن عليها أن تقوم بعملية إحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط كحل طويل الأمد لمشكلة (الإرهاب)، إلا أن النجاح يتوقف على القدرة على التنبؤ الدقيق بما سيكون عليه المستقبل، وكذلك على الاستخبارات الجيدة، وهو ما لم يكن متوافرًا حيث كانت عزلة الولايات المتحدة تزداد إلى درجة غير مسبوقة.

 

إلا أنه من الخيال الاعتقاد بإمكانية استخدام القوة الأمريكية لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المناطق التي تعاني من ترديهما، فالفشل المتحقق في العراق أدى إلى استعادة الواقعيين من تلاميذ هنري كيسنجبر لمكانتهم في مراكز  صناعة السياسة الخارجية، فهناك في الواقع كم هائل من الكتب التي تنتقد بقسوة السياسةَ الويلسونيةَ (نسبة إلى الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون) الأمريكية الساذجة وتهاجم التيار القائلَ بإمكانية نشر الديمقراطية في العالم، وهو ذات الاتجاه الذي تبناه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في فترة ولايته الثانية وأدى إلى العديد من المشكلات.

 

فقد حققت جماعةُ الإخوان المسلمين الإسلامية نجاحًا بارزًا في الانتخابات التشريعية التي جرت في مصر خلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين، وعلى الرغم من أن إجراء الانتخابات العراقية في ديسمبر الماضي يعتبر إنجازًا في حد ذاته، فإنها أسفرت عن صعود الكتلة الشيعية وثيقة الصلة بإيران (وذلك في أعقاب انتخاب المحافظ محمود أحمدي نجاد رئيسًا لإيران في يونيو الماضي)، إلا أن الضربةَ القاصمةَ كانت الفوز الذي حققته حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية التي جرت الشهر الماضي، وأتت إلى السلطة بتلك الحركة التي نذرت نفسها لتدمير (إسرائيل)، وفي افتتاح فترة ولايته الثانية، قال بوش: "إن مصالح أمريكا الحيوية، ومعتقداتها العميقة الآن واحدة"، إلا أن هناك اتهامًا للولايات المتحدة في هذا السياق وهو أنها أثارت المنطقة، وأنه كان من الأفضل لها أن تستمر في دعم الأنظمة المتسلطة في الشرق الأوسط، حقًّا فلقد تعرضت مجهودات الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية حول العالم إلى اتهاماتٍ بأنها سياسة غير شرعية، وذلك من جانب بعض الأشخاص في اليسار مثل جيفري ساش، وفي اليمين مثل بات بيوكانان.

 

إلا أن الانتقادات الموجَّهة لنشر الديمقراطية وللسياسة الخارجية الأمريكية لم تتوقف عند هذا الحد؛ فقد أعلن مجموعةٌ من المحافظين المتشددين- الذين يحارب أبناؤهم وبناتهم في العراق- دعمَهم للحرب على العراق باعتبارها دفاعًا عن الولايات المتحدة ضد (الإرهاب) النووي لا لنشر الديمقراطية، ولم يُرد هؤلاء تركَ الرئيس في منتصف هذه الحرب الرهيبة، إلا أن الفشلَ الواضحَ في العراق يمكن أن يدفعَهم إلى تبني سياسةٍ خارجية أكثر انعزالية وهو ما يبدو منطقيًّا في هذه اللحظة؛ حيث أظهر استطلاعٌ للرأي- أجراه معهد بيو- أن الرأي العام يميل نحو الانعزالية، فقد أوضح الاستطلاعُ أن نسبةً كبيرةً من المواطنين الأمريكيين يرون أنه على الولايات المتحدة أن تُعنى بشئونها الخاصة، وهي النسبة التي لم تحدث منذ نهاية الحرب على فيتنام.

 

وأكثر من أي مجموعة أخرى كان المحافظون الجدد في داخل الإدارة الأمريكية وفي خارجها أكثر المجموعات حماسًا لنشر الديمقراطية في العراق وفي سائر الشرق الأوسط، إن الجميع الآن ينظر اليهم (أو يلومهم) على أنهم الأصوات التي لعبت الدورَ الأكثر فاعلية في دعم التغيير في العراق، وبالتالي فإن أجندتهم السياسية المثالية صارت في الشهور والسنين التالية هي الأجندةَ الأكثر تعرضًا للتهديد المباشر.

 

وأرى أنه إذا ما قرَّرت الولايات المتحدة التراجعَ إلى داخل البلاد بعيدًا عن الساحة العالمية في أعقاب انسحاب تدريجي من العراق، فإن ذلك ستنتج عنه مأساةٌ كبيرةٌ؛ حيث لا تزال هناك العديد من الديمقراطيات في العالم والتي تحتاج إلى القوة والتأثير الأمريكيين.

 

مشكلة أجندة المحافظين الجدد لا تكمن في غاياتها والتي تتبلور في أن تصبح الولايات المتحدة هي أفضلَ الدول، ولكن في الوسائل التي تم استخدامها لتحقيق هذه الغايات والتي شهدت إفراطًا في عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية لتنفيذ هذه الغايات، ما تحتاجه السياسةُ الخارجية الأمريكية ليس العودةَ إلى نظام ضيق هزلي، ولكنها تحتاج إلى إعادةِ رسم فكرة "الويلسونية الواقعية" والتي تربط الغايات بالوسائل.

 

ميراث المحافظين الجدد

كيف يمكن للمحافظين الجدد أن يتجاوزوا هذه الأزمةَ والتي قد يتم خلالها تقويض أهدافهم الرئيسية؟

 

لم تنبع سياسات الفترة الأولى من حكم الرئيس بوش الابن من رؤى الأجيال الأولى التي اعتبرت نفسَهَا من المحافظين الجدد، وذلك لأن تلك الرؤى كانت معقدةً في حد ذاتها إلى جانب وجود العديد من التأويلات لها.

 

هناك مبادئ أو خيوط 4 مشتركة بين تلك المبادئ والمبادئ التي سادت في نهاية الحرب الباردة، وهي:-

 

- أولاً: الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان والسياسة الداخلية الأمريكية بصفة عامة.

- ثانيًا: الاعتقاد بأن السياسة الأمريكية يمكن أن تستخدم في أغراض أخلاقية.

- ثالثًا: الشك في قدرة القانون الدولي والمؤسسات على حل المشكلات الأمنية الخطيرة.

- رابعًا: الرؤية التي تقول بأن هندسةَ نظام اجتماعي يؤدِّي غالبًا إلى نتائجَ غيرِ متوقَّعة تقود في النهاية إلى الفشل في تحقيق الأهداف المنتظَر تحقيقُها من خلال هذه العملية.

 

لكن المشكلة تكمن في أن اثنين من هذه المبادئ يتعارضان معًا، وهما حاسة الشك في مقابل الرغبة في الهندسة الاجتماعية، والتي تم تطبيقها في السنوات الأولى في السياسة الداخلية مثل الأفعال الإيجابية والعمل والرفاهية، ويتطلب هذا التعارض مقاربةً حذرةً تجاه دراسة الشأن العالمي، والوعي بأن المبادرات الطموحة قد تؤدي إلى نهايات غير متوقَّعة.

 

على الجانب الآخر، فإن الاعتقاد في قدرة الاستخدامات الأخلاقية للقوة الأمريكية يتضمن الاعتقادَ بأن نشاطَ السياسة الأمريكية قادرٌ على إعادة تشكيل بنية السياسات العالمية، لكن في الحرب على العراق، تغلَّب الاعتقادُ في الاستخدامات التحويلية للقوة الأمريكية على الشكِّ في مسألة الهندسة الاجتماعية.

 

ببعض التأمل يمكننا أن نصل إلى حقيقةِ أن الأشياءَ لا يمكن أن تتطور بهذه الطريقة؛ فجذور فكر المحافظين الجُدد تتركز في مجموعة بارزة من النخبة المثقفة اليهودية، والتي درست في "سيتي كوليدج" بنيويورك (C.C.N.Y) في الفترة من منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي وحتى مطلع الأربعينات، وهي المجموعة التي ضمت إيرفنج كريستول، ودانييل بيل، وإيرفنج هاو، وناثان جليزر، وبعدهم بقليل دانييل باتريك موينيهان، وقد ذُكِرت قصة هذه المجموعة في العديد من الأماكن، ومن أبرزها الفيلم الوثائقي "مناقشة العالم" لمخرجه جوزيف دورمان، وكان من أبرز ملامح فكر هذه المجموعة الفكر المثالي في التقدم الاجتماعي، وشمولية الحق، وهو الفكر الذي امتزج بمعاداة الشيوعية.

 

وليس من قبيل المصادفة أن كثيرًا من أعضاء مجموعة (C.C.N.Y) بدأوا كتروتيسكيين، كان تروتسكي شيوعيًّا، إلا أن أتباعه فهموا أكثر من غيره هزليةَ وقسوةَ النظام الستاليني، وقد كان اليسار المعادي للشيوعية- على عكس اليمين الأمريكي التقليدي- متعاطفًا مع الأهداف الاجتماعية والاقتصادية للشيوعية، إلا أنه في خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي بدأ اليسارُ المعادي للشيوعية في إدراك أن "الاشتراكية القائمة بالفعل" صارت مسخًا لتداعيات غير مقصودة أدَّت إلى تقويض الأهداف التي كان يُفترض أن تقوم بتحقيقها، وبينما لم يصبح كل أعضاء جماعة الـ (C.C.N.Y) من المحافظين الجدد، فقد صار خطرُ المبالغة في محاولة تحقيق الأهداف علامةً فارقةً في حياة كل أعضاء تلك المجموعة.

 

وإذا كان هناك موضوعٌ واحدٌ مثير لارتباك المقالات التي انتقدت السياسة الاجتماعية الداخلية ونشرت في جريدة المحافظين الجدد التي أسسها ناتان جليزر ودانييل بيل في العام 1965م، وكان هذا الموضوع هو الهندسة الاجتماعية، وقد ناقش العديدُ من الكتاب فكرةَ أن الجهودَ الطموحةَ لنيل العدالة الاجتماعية تترك المجتمعاتِ اليسارية في الغالب أسوأَ مما كانت عليه لتعرضها إلى التدخل الشديد من جانب الأنظمة الحاكمة؛ ما يؤثر بالسلب على العلاقات الاجتماعية القائمة، أو يؤدِّي إلى نتائجَ غيرِ متوقَّعة (مثل زيادة العائل الواحد بسبب الرفاهية).

 

وكان أبرز موضوع شغل كتابات جيمز ويلسون حول الجريمة هو أنك لا تستطيع أن تخفِّض من نسبة الجريمة من خلال محاولة حل المشكلات العميقة، كالفقر والتمييز العنصري، والبديل هو سياسات فعالة تركز على الأعراض التي تظهر على المدى القصير جرَّاء الأزمة الاجتماعية (مثل انتشار الكتابات على جدران الأنفاق والتسول) وذلك بدلاً من التركيز على الأسباب الحيقيقة.

 

كيف إذن يمكن لجماعة بهذه الخلفية أن تأتي وتقول إن "الأسباب الحقيقية" لـ(الإرهاب) تكمن في ضعف الديمقراطية في الشرق الأوسط، وتفترض أن لدى الولايات المتحدة الحكمةَ والقدرةَ على حل هذه المشكلة كما تفترض أن الديمقراطية سوف تأتي إلى العراق بصورة سلمية؟ لذا ما كان على المحافظين الجدد أن يسلكوا هذا الطريق الذي انتهت من خلاله الحرب الباردة.

 

لقد سخر الكثير من السفسطائيين في اليسار الأمريكي والأوروبي من الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان لوصفه الاتحادَ السوفيتيَّ السابقَ وحلفاءَه بـ"محور الشر"، وكذلك لتحديه ميخائيل جورباتشوف، ليس فقط في إصلاح نظامه السياسي ولكن في "إزالة سوره الحديدي"، كما وصف مساعد وزير دفاعه لشئون سياسات الأمن الدولي ريتشارد بيرل بـ "أمير الظلام" بسبب سياساته المتشددة، ورغبته في إنهاء المفاوضات حول الصواريخ النووية متوسطة المدى (والتي كانت تعني إزالة كل الصواريخ متوسطة المدى) على طريقة "الصفر المزدوج"، وهي السياسة التي هاجمها الكثير من محللي السياسة الخارجية من تيار الوسط في أماكنَ مثل مجلس العلاقات الدولية ووزارة الخارجية، وبالتالي صار الكثيرون ينظرون إلى أن الريجانيين حالمون ومثاليون بصورة خطيرة لا تساعدهم على الانتصار في الحرب الباردة.

 

إلا أن الانتصارَ الكاملَ في الحرب الباردة كان ما تحقق بين عامي 1989م و1991م؛ فلم يقبل جورباتشوف فقط بمعادلة "الصفر المزدوج" ولكن قام أيضًا بتخفيض في عدد القوات التقليدية، وعلى ذلك لم يقدر على إيقاف انفصال البولنديين ولا المجريين والألمان الشرقيين عن الإمبراطورية، فانهارت الشيوعيةُ في عامين بسبب الضعف الأخلاقي الداخلي وانتشار المتناقضات، وبتغيير النظم في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، تبخر تهديد حلف وارسو للغرب.

 

الطريقة التي انتهت بها الحرب الباردة شكلت فكر مؤيدي الحرب على العراق، ومن بينهم شباب المحافظين الجدد مثل ويليام كريستول وروبرت كيجان، وذلك بطريقتين، الأولى هي أن كل الأنظمة الشمولية خاويةٌ من الداخل وأنها لا تحتاج إلى دفعة من الخارج كي تسقط، فقد كان نموذج رومانيا تحت حكم شاوشيسكو ماثلاً؛ حيث إنه ما إن مات الديكتاتور المرعب حتى خرج الفلاحون الرومان يتغنون بحريتهم.

 

وكما كتب كل من ويليام كريستول وكيجان: "بالنسبة للكثيرين فإن فكرةَ استغلال الولايات المتحدة لسلطتها من أجل دعم التغيير في الأنظمة التي تحكمها الديكتاتوريات أمرٌ خيالي، إلا أن الأمرَ حقيقي تمامًا، هناك  خطأ في القول باستحالة دعم التغييرات الديمقراطية، وذلك على ضوء الإنجازات المتحققة في العقود الثلاثة الماضية".

 

هذا التفاؤل المبالغ فيه حول الانتقال الديمقراطي فيما بعد الحرب الباردة أسهم في عدم قدرة إدارة الرئيس بوش الابن على إيجاد إستراتيجية فعالة من أجل مواجهة (التمرد) الذي بدأ في العراق كنتيجة للغزو، ويبدو أن مؤيدِّي الحرب اعتبروا أن الديمقراطيةَ حالةٌ تلقائيةٌ تتجه إليها الدولُ بعد زوال الأنظمة الديكتاتورية التي تحكمها، بدلاً من أن ينظروا إليها على أنها عمليةٌ طويلةُ المدى من بناء المؤسسات والإصلاح، وعلى الرغم من أنهم يقولون إن الطريق إلى التحول الديمقراطي في العراق طويلٌ وشاق، إلا أنهم بالفعل مأخوذون من المفاجأة، ووفقًا لكتاب جورج بيكر الأخير عن العراق "بوابة الاغتيالات"، فإن البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) قد خططت لسحب 25 ألف جندي بنهاية الصيف الذي يلي الغزو مباشرة.

(يتبع)