يُخطئ مَن يظن أنَّ الأحزابَ المصريةَ القائمة رسميًّا بعيدة عن يد الحكومة وعينها، فما وافقت السلطة على قيامها إلا من أجل غاية رخيصة، وهي تجميل وجهها القبيح بكياناتٍ هزيلةٍ لا قيمةَ لها فكريًّا أو سياسيًّا، وتطلق عليها- عدا الحزب الوطني- اسم أحزاب المعارضة! وهي في الحقيقة لا تُعارض ولا يحزنون؛ لأن ما تقوله مجرَّد كلام في الهواءِ لا تصغى إليه السلطة ولا تعبأ به.. إنها مجرَّد ديكور يزخرف الساحة السياسية الجامدة والباهتة، ويطغى عليها الاستبداد والفساد واحتقار الشعب البائس، والازدراء بوجوده وإرادته.
وقد عرف الناس في كلِّ الدنيا أنَّ الحزبَ الذي يشاور عقله، ويحاول الخروج من الدائرة الحديدية التي أدخلته فيها السلطة البوليسية الفاشية، فإنه يلقى حتفه على الفور، حيث يجمد أو يغلق أو يموت بالسكتة السياسية، أو تصيبه أنفلونزا الطيور الآسيوية فتقتله معنويًّا وماديًّا باستثناء بسيط للغاية، هو أن يفتح الحزب المصاب فمه لتلقي الدعم المالي الحكومي فيواصل إصدار جريدته الميتة، وينفق على المقر العائلي، ويصدر بعض التصريحاتِ الكلامية التي تصبُّ في خانة إرضاء النظام الفاسد!
وما جرى في حزبِ الوفد الجديد قبل أيام، ليس بعيدًا عن يد الحكومة وعينها، ومع احترامنا لأعضاء الحزب ورموزه على المستوى الإنساني، فإنَّ الحكومةَ لعبت بالحزب ورئيسه المخلوع؛ مع أنه أستاذ جامعي ورجل قانون، وجعلت الحزب الذي يُقال إنه يمتد بجذوره إلى الحزب القديم الذي قاده سعد زغلول ومصطفى النحاس؛ مجرد أداة في يدها تلعب به في مواجهة الإرادة الشعبية الحقيقية التي تسعى إلى الحريةِ والكرامة والعدل والمساواة والأمل.
لقد تحدثت السلطة البوليسية الغشوم عن حوارٍ وطني قبل أن تُعلن عن التعديل الصوري الفاسد للمادة 76 من الدستور، وقبل الوفدُ المشارَكةَ على أساس استبعاد الدستور من المناقشة، والقوى المحجوبة من المشاركة والحوار، ورضي الحزب العريق كما يُسمِّي نفسه بجزرةِ السلطة التي تحوَّلت إلى شيء آخر حين أعلن الرئيس في مباغتة غير متوقعة عن تغيير طريقة اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب بدلاً من الاستفتاء، وسقط الحوار والمتحاورون، وكان للشعب رأيه فيما جرى من صفقة لم تتم، ولم يحصد أطرافها باستثناء حزب السلطة إلا خرط القتاد.
ولم يتعظ حزب الوفد من درس الحوار الذي لم يثمر شيئًا، فشارك– بالأمر!- في انتخابات رئاسة الجمهورية الشكلية، وكان المتوقع أن يأتي الحزب في المرتبة الثانية للحزب الحاكم، ولكن المفاجأة أنه جاء في الترتيب الثالث بما قيمته مائتا ألف صوت؛ مما يعني أن بعض جماهير الوفد المفترضة صوتت لمرشحين آخرين!
وكانت تجربة الانتخابات التشريعية بعد الانتخابات الرئاسية تعبيرًا قويًّا عن صورة التدهور الذي وصل إليه الحزب الذي راهن البعض يومًا على انتمائه لجذوره أكثر من انتمائه للسلطة الحاكمة.
كان الوفد في عهد سراج الدين يضم مجموعة من السياسيين الذين كان لهم دور ما أو موقف ما تجاه السلطة والنظام، وهو ما جعل بعض الناس يأملون خيرًا في الحزب ومستقبله، ولكن بعد رحيل هذه المجموعة بالموت أو الفصل أو الاستقالة؛ لم يبق من الحزب إلا بعض ذكريات.. وصار الوفد مثله مثل بقية الأحزاب!
إن السلطة البوليسية الغشوم لن تسمح بحياة سياسية سليمة، ولن تترك حزبًا يمارس العمل السياسي الحقيقي، وهي إن لم تتدخل في عمل الحزب وإرادته مباشرة، فهي تكبله بقوانينها ومعاييرها، وعصاها وجزرتها، وسبق أن تدخلت في أحزاب: مصر الاشتراكي، ومصر الفتاة، والعمل، والخضر، والغد؛ فجمدتها أو شقتها أو أغلقتها، بعد أن بدا أن بعض هذه الأحزاب يحاول الخروج من بيت الطاعة البوليسي، أو يعلن انتماءه للتصور الإسلامي، أو يتعاطف بمقال أو كلام مع الحركة الإسلامية، أما الأحزاب التي ظلت بمنأى عن التجميد أو الانشقاق أو الإغلاق؛ فقد استفادت من رأس الذئب الطائر، وعملت على أن يظل حبلها السري مربوطًا بالنظام وأجهزته، ولا بأس أن تدبج المقالات في انتقاد الأمور المسموح بها، ولا تمثل مشكلة بالنسبة للسلطة!
يوم أن رأى فؤاد سراج الدين أن النظام في عهد السادات يريد من حزبه أن يكون مجرَّد ديكور أعلن تجميده بنفسه، مستبقًا السلطة، وعندما عاد إلى العمل مرةً أخرى، فقد تعامل مع الأمور بمنطقية ومنهجية، ولم يتورط، فيما تورط فيه الوفد الحالي، وقاده إلى هذا الانقلاب الذي لا يعرف أحد إلى أين سيقوده!