بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية طالبتها الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بالاعتراف بالكيان الصهيوني ووقف المقاومة والتي يسمونها إرهابًا، وبالطبع فإن وقف المقاومة قبل تحرير الأرض يعني فقدَ سلاحِ الضغط الوحيد الذي يملكه الشعب الفلسطيني، وبدونه لن تكون عملية التفاوض إلا تنازلاتٍ لا نهايةَ لها.
والمشكلة التي تواجه حماس الآن لا تتمثل في قضية الاعتراف بالكيان الصهيوني وإنما تتعلق أساسًا بأهمية طرح رؤية لحل الصراع الدائر على أرض فلسطين من وجهة نظر الحق الفلسطيني، فحركة حماس- ومعها حركة الإخوان المسلمين وكل القوى الوطنية- ترى أن فلسطين دولةٌ عربيةٌ من النهر إلى البحر، وأن دولة الكيان القائمة على حدود 48 ليست دولةً شرعيةً بل هي دولةُ استعمار استيطاني، ولهذا فالفرق بين ما احتُل قبل عام 1967 وما احتُل بعده هو فرقٌ مصطَنَع نَتَج بسبب إكساب الدول الغربية للشرعية لما تم احتلاله قبل العام 67؛ لأنه كان يمثِّل المشروع الاستعماري الغربي.
وعلى القوى الوطنية العربية والإسلامية العمل من أجل وضع تصور يعبِّر عن الحق العربي ويتمسك به، ولكن بوضعه في ظل الممكن على أرض الواقع، وهنا علينا الربط بين المبادئ التي لا يمكن التنازل عنها وبين منهج تطبيق يمكن تحقيقه، وكذلك الربط بين رؤيتنا وما يمكن تمريره دوليًّا، خاصةً مع الدعم الغربي غير المشروط للكيان الصهيوني، والذي يمثّل في الواقع ذراع التدخل الغربي في المنطقة.
وأساس تصورنا لحل الصراع يقوم في الواقع على أهمية الفصل بين دولة الكيان الصهيوني وبين الشعب اليهودي الذي يقيم حاليًا على أرض فلسطين المحتلة، فدولة الكيان في حقيقة تكوينها دولةٌ معاديةٌ قامت على العدوان والكراهية، بل قامت على رؤية عنصرية، ومعنى هذا أن استمرار العدوان الصهيوني واستمرار الاستعمار الاستيطاني الذي يمثله قائم على استمرار الأسس التي قامت عليها هذه الدولة.
وإذا نظرنا إلى الحل القائل بقيام دولتين.. فإذا تحقق هذا الحل فيجب أن يتحقق دون أية تنازلات أخرى، بمعنى أن دولة فلسطين يجب أن تقوم على مجمل الأرض المحتلة بعد عام 1967، وليس على أجزاءٍ منها فقط، ويجب أن تكون دولةً كاملةَ السيادة تسيطر على الحدود والسماء، وغير منزوعة السلاح.
وأيضًا لا يمكن التفريط في تحرير القدس لتكون عاصمةً لهذه الدولة، كما لا يمكن التفريط في حق العودة للاجئين، وهذه المطالب رغم أنها تتعلق بجزء من الحق إلا أنها ما زالت مطالب مرفوضة من الكيان الصهيوني وأيضًا من الإدارة الأمريكية، ولكنها على كل حال مطالب مسموح بها من قِبَل ما يُعتبر مجتمعًا دوليًّا وشرعيةً دوليةً.
وهنا علينا أن نؤكد أن حلَّ الدولتين ليس حلاًّ نهائيًّا، بل يجب النظر إليه بوصفه حلاًّ مرحليًّا، وهو حل مرحلي؛ لأنه أساسًا لن يُنهي الصراع، فالدولتان- حسب هذا التصور- ليستا كيانات مؤسسة بصورة طبيعية، بل سيكون التداخل بينهما كبيرًا، وإمكانية العيش لكل كيان ترتبط بالكيان الآخر، ولن يكون حالهما مثل أي دولتين متجاورتين.. بل سيكون مصيرهما متشابكًا.
والأمر الأهم من ذلك أن الدولة الإسرائيلية القائمة ما زالت وستظل دولةَ عدوان وكراهية؛ لهذا فمسألة انتهاء الصراع غير واردة أصلاً؛ لأن الكيان القائم على العدوان يظل كيانًا كارهًا وخائفًا من الآخر الذي اعتدى عليه.
معنى هذا أن نجاح فكرة الدولتين يعتمد على قيام علاقات ترابُط شديدة بينهما، وعلى قيام أسس مختلفة لكل دولة تتجاوز ما حدث تاريخيًّا وبالتالي تتجاوز مسألة الحقوق التاريخية، وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه في الواقع إلا على أساس شعبي، وهنا تأتي أهمية الفصل بين دولة إسرائيل القائمة وبين الشعب اليهودي، فإذا كان الشعب اليهودي- أو جزءٌ منه- يريد أن يعيش على أرض فلسطين في حياةٍ آمنةٍ وعاديةٍ سيكون عليه التخلِّي عن موقفه العدواني وموقفه العنصري، بل سيكون عليه التآخي مع الشعب الفلسطيني.
والأساس الذي يمكن أن يقومَ عليه وجود اليهود في فلسطين هو عودة هؤلاء اليهود من دول الشتات إلى الوطن الذي عاش فيه أجدادهم أو هكذا تصوَّروا، وإن كان إثبات الجذور التاريخية لكل اليهود أمرًا مستحيلاً لأنه في الواقع غير حقيقي، وإن كانت الحقيقة أن بعض اليهود ينتمون لأصول عربية فلسطينية وغالبهم ينتمون لأصول غير ذلك، إلا أنه يمكن قبول فكرة أن هناك يهودًا يرون أنهم ينتمون لأرض فلسطين، ولكن في هذه الحالة عليهم العيش مع شعب فلسطين وليس على حسابه ولا بالعدوان عليه.
من هنا يُصبح الأساس لوجود اليهود في فلسطين قائمًا على التآخي بينهم وبين الفلسطينيين في إطار الشراكة في وطن واحد، ولكن الحالة الراهنة- والحالة التي ستتشكَّل بعد قيام الدولتين-قائمةٌ في الأساس على العدوان والكراهية، كما أن الدولة الصهيونية القائمة دولةٌ غربيةٌ مزروعةٌ في المنطقة ولا تنتمي لها، وتقوم بدورٍ لخدمة المصالح الغربية.. أي أنها رأس حربة للتدخل الخارجي وحماية المصالح الغربية في المنطقة.
والقول بضرورة تدمير هذه الدولة هو تعبيرٌ عن واقع تاريخي ونتيجةٌ للحقوق التاريخية لشعبنا، ولا يمكن التغاضي عن أهمية إزالة هذا الكيان، ولكنَّ هذا المطلب لا يمكن أن يكون مقبولاً في ضوء الواقع الراهن، خاصةً وأنه يعني تهجير ملايين اليهود إلى الغرب، وهو ما لا يمكن أن تقبله الدول الغربية، بعد أن تخلَّصت من هذه الكتل اليهودية؛ لهذا نرى ضرورة النظر إلى حل الدولتين بوصفه حلاًّ مرحليًّا في الطريق لقيام دولة واحدة، فالهدف النهائي لنا هو قيام دولة عربية فلسطينية واحدة من النهر إلى البحر.
وهذا الهدف يمكن تحقيقه حتى في ظل وجود اليهود وبهذه الأعداد الحالية مع الفلسطينيين، فتوطين اليهود مع العرب في أرض فلسطين أمرٌ ممكنٌ وتقبله السوابق التاريخية، بل هو أيضًا أمرٌ متاحٌ من خلال الأسس التي تقوم عليها الحضارة العربية الإسلامية والتي تقبل التعددية، سواءٌ بين الجماعات المنتمية لهذه الحضارة أو حتى بالنسبة للجاليات التي تم توطينُها في دول عربية كثيرة، وكانت حالة التآخي والترابط بينها وبين شعوب هذه الدول مثالاً لم يتحقق في إطار أي حضارة أخرى.
لهذا يمكن أن نبدأ من الحل المرحلي الخاص بالدولتين، على أن تكون المراحل التالية مرتبطةً بقيام تحالف بين الدولتين ينتهي بالفدرالية، ويصبح الهدف المعلن النهائي لنا هو قيام دولة واحدة في أرض فلسطين، يسكنها المسلمون والمسيحيون واليهود.. العرب وغير العرب، والهدف من ذلك القضاء على المشكلة الأساسية المتمثلة في الأساس العدواني للكيان الصهيوني.
ولكن حتى يكون هذا الهدف مشروعًا لا يمكن المناداة بقيام دولة واحدة من خلال المقاومة المسلَّحة، بل يجب الربط مرحليًّا بين المقاومة وقيام الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة في الأراضي المحتلة بعد عام 1967، وتظل المقاومة حقًّا مشروعًا قائمًا حتى تتحقق كل المطالب المرتبطة بهذه المرحلة، ومنها حق العودة والقدس والسيادة وغيرها.
ولكن إذا تحققت هذه المرحلة فسوف تأتي مرحلة النضال السياسي لقيام دولة فلسطينية واحدة على أساس حق تقرير المصير، أي أنها ستقوم تدريجيًّا من خلال المفاوضات والتعاون بين الدولتين، وبشرط الموافقة على قيامها من قِبَل الفلسطينيين واليهود، وهو أمرٌ وإن كان غيرَ مقنعٍ لكل الأطراف بالتأكيد إلا أن المطالبة به مشروعةٌ ولا يمكن رفضها.
وهذه الرؤية تعتمد على أن وجود اليهود ليس هو العائق لقيام دولة فلسطين الموحَّدة، ولكنَّ الفكرَ الصهيوني العنصري والكيان الصهيوني العدواني القائم على الكراهية هو العائق الأساسي، وأيًّا كان مدى تأييد اليهود لهذا الكيان ودرجة إيمانهم بأسسه العنصرية والعدوانية- وهو أمرٌ منتشرٌ حاليًا بين اليهود- إلا أن أي شعب في العالم مهما خاض مغامرات حربية ودخل في صراعات فإنه في النهاية يصل لمرحلة يطلب فيها الاستقرار والأمان.
ومن المنطقي أن نتوقع أن عددًا كبيرًا من اليهود لا يمكن أن يقبل العيش في دولةٍ واحدةٍ مع الفلسطينيين، والمتوقَّع أساسًا عند نهاية هذا الصراع- وأيًّا كان شكل النهاية- أن عددًا كبيرًا من اليهود سيعود من حيث أتى، وأن هناك عددًا آخر سيبقى وسيصبح في النهاية منتميًا لهذه الأرض وشعبها.